33 - (آيَةُ) : إن قلت: الآية مفردة، والظاهر يقتضي أن يُقال: الآيات ثلاث!
قلت: إمَّا أن يُقال: كلٌّ من الثلاث آيةٌ، حتَّى لو وُجِدت خصلةٌ واحدةٌ؛ يكون صاحبها منافقًا، أو أن يُقال: كلُّ الثلاث
ص 55
معًا آيةٌ، حتَّى إذا اجتمعت؛ تكون آيةً واحدةً، فعلى الأوَّل المراد منها: جنس الآية، وعلى الثاني معناه: الآية اجتماع هذه الثلاث.
إن قلت: الوعد تحديث خاصٌّ، فما معنى عطفه على التحديث، والخاصُّ إذا عُطِف على العامِّ؛ لا يخرج من تحت العامِّ، فالآية ثنتان لا ثلاث؟
قلت: لمَّا كان لازم الوعد الإخلاف الذي قد يكون فعلًا، وهو غير الكذب الذي هو لازم التحدُّث، وهو لا يكون فعلًا؛ جُعِلا متغايرين؛ نظرًا إلى اعتبار تغاير لازميهما، أو جُعِل الوعيد حقيقةً أخرى غير داخلة تحت حقيقة التحدُّث على سبيل الادِّعاء؛ لزيادة قبحه؛ كما يُدَّعى أنَّ جبريل نوعٌ غير الملائكة؛ لشرفه، قال: [من الوافر]
~فإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنتَ منهم فإنَّ المسكَ بعضُ دمِ الغزال
وإنَّما خصَّ هذه الثلاث بالذكر؛ لأنَّها مشتملةٌ على المخالفة التي عليها مبنى النفاق من مخالفة السرِّ العلن.
فائدة: قال الطيبيُّ: الإتيان بالجملة الشرطيَّة مقارنةً بـ (إذا) الدالَّة على تحقُّق الوقوع يدلُّ على أنَّ هذه عادتهم.
وقال الخطَّابيُّ: كلمة (إذا) تقتضي تَكرار الفعل، فطريق الأولى أن يُقال: حذفُ المفعول من (حدَّث) ونحوه يدلُّ على العموم أو الاطلاق، فكأنَّه قال: إذا حدَّث في كلِّ شيء؛ كذب فيه، أو إذا أوجد ماهيَّة التحديث؛ كذب، ولا شكَّ أنَّ مثله منافق في الدين، ولدفع الإشكال خمسةُ أوجه: إمَّا للجنس، فهو إمَّا على سبيل التشبيه، أو أنَّ المراد الاعتياد، أو معناه الإنذار، وإمَّا للعهد؛ إمَّا من منافقي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وإمَّا منافقٌ خاصٌّ بشخص بعينه، وههنا وجهٌ سادس؛ وهو أنَّ المراد بالنفاق: هو النفاق العمليُّ لا النفاق الإيمانيُّ؛ إذِ النفاق ضربان؛ كما في كلام الخطَّابيِّ، وأحسن الوجوه هو السابع؛ بأن يُقال: النفاق شرعيٌّ، وهو ما يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وعرفيٌّ؛ وهو ما يكون سرُّه خلاف علنه، وهذا هو المراد _إن شاء الله تعالى_
يُحكَى أنَّ رجلًا من البصرة قدم مكَّة حاجًّا، فجلس في مجلس عطاء بن أبي رباح، فقال: سمعت الحسن يقول: من كان فيه ثلاثُ خصال؛ لم أتحرَّج أن أقول: إنَّه منافق؛ فقال له عطاء؛ إذا رجعت إلى الحسن؛ فقل له: إنَّ عطاءً يقول لك: ما تقول في بني يعقوب إخوة يوسف؛ إذ حدَّثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتُمِنوا فخانوا، أوَكانوا منافقين؟ فلمَّا قال للحسن؛ سُرَّ الحسن، وقال: جزاك الله خيرًا، ثمَّ قال لأصحابه: إذا سمعتم منِّي حديثًا؛ فاصنعوا مثل ما صنع أخوكم، حدِّثوا به العلماء، فما كان صوابًا؛ فحسنٌ، وإن كان غير ذلك؛ ردُّوا عليَّ جوابه.
فائدة: مراد البخاريِّ بإيراد هذين الحديثين:
ص 56
أنَّ المعاصيَ تُنقِص الإيمان، كما أنَّ الطاعاتِ تزيده.
فائدة: في تسمية المنافق ثلاثةُ أقوال: لأنَّه ستر كفره؛ فأشبه داخل النفق للستر، أو لشبهه باليربوع؛ فالمنافق يخرج من الإيمان من غير الموضع الذي دخل فيه، أو أنَّ اليربوع يخرق الأرض حتَّى يرقَّ تراب ظاهرها، فإذا نابه أمرٌ؛ رفعه وخرج، فظاهر جحره ترابٌ، وباطنه حفرٌ، فكذلك المنافق باطنه الكفر وظاهره الإيمان، فشُبِّه به.
فائدة: حصل من مجموع الروايتين أنَّ خصال المنافق خمسٌ: إذا حدَّث؛ كذب، وإذا وعد؛ أخلف، وإذا اؤتُمِن؛ خان، وإذا عاهد؛ غدر، وإذا خاصم؛ فجر وإن كانت الخصلة الرابعة داخلةً في الثالثة؛ لأنَّ الغدر خيانة ممَّنِ ائتُمِن عليه من عهده، ولا منافاة بين الروايتين، فإنَّ الزائد عُلم به ثانيًا، ولأنَّ الشيء الواحد قد يكون له علامات، كلُّ واحدة منها تحصل بها صفته، ثمَّ قد تكون تلك العلامة شيئًا واحدًا وقد تكون أشياء، وروى أبو أمامة موقوفًا: (وإذا غنم؛ غلَّ، وإذا أُمِر؛ عصى، وإذا لقي؛ جبن) ، وقال الكرمانيُّ: حصل من الحديثين أنَّ خصال المنافق خمس، وقال في «شرح مسلم» : «وإذا عاهد؛ غدر» هو داخل في قوله: «وإذا اؤتُمِن؛ خان» ؛ يعني: هو أربعة، فأقول: لو اعتبرنا هذا الدخول؛ فالخمس راجعة إلى الثلاث، والحقُّ أنَّها خمسة متغايرة عرفًا، وباعتبار تغاير الأوصاف واللوازم أيضًا، ووجه الحصر أيضًا أنَّ إظهار خلاف الباطن إمَّا في الماليَّات، وهو (إذا اؤتُمِن؛ خان) ، وإمَّا في غيرها، فهو إمَّا في حالة الكدورة، وهو (إذا خاصم؛ فجر) ، وإمَّا في حالة الصفاء؛ فهو إمَّا مُؤكَّدة باليمين، وهو (إذا عاهد؛ غدر) ، أو لا، إمَّا بالنظر إلى المستقبل، وهو (إذا وعد ... ) ، وإمَّا بالنظر إلى الحال، وهو (إذا حدَّث ... ) ، انتهى
خاتمة: عن وهب الذماريِّ: صفة المنافق: تحيَّته لعنة، وطعامه سحت، وغنيمته غلول، صخب النهار، خشب الليل، وعن الحسن: المنافق إذا صلَّى؛ راءى بصلاته، وإذا فاتته؛ لم يأسَ عليها، ويمنع زكاة ماله.