40 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) : كان في نسخة أبي زيد المروزيِّ: (عمر بن خالد) ، هكذا نقله عنه أبو الحسن القابسيُّ، وأبو الفتوح عبدوس، وذلك وهم، والصواب: عمرو، وليس في شيوخ البخاريِّ من يُقال له: عمر بن خالد.
إشارة: بيت المقدِس؛ بكسر الدال: مصدر؛ كالمرجع، أو مكان القدس، وبتشديد الدال: اسم مفعول، من التقديس؛ أي: التطهير.
(أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) : شكٌّ من البراء، قاله الكرمانيُّ، وفي رواية في «مسلم» وغيره عن البراء: الجزم بستَّة عشر، وفي «أبي داود» : (ثمانية عشر شهرًا) ،
ص 61
وحكى المحبُّ الطبريُّ: (ثلاثة عشر شهرًا) ، وفي رواية أخرى: (سنتين) ، وأغرب منهما: (لسبعة أشهر) ، وفي رواية: (عشرة) ، وقال ابن حبَّان: (صلَّى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيَّام سواءً) ، وفي «ابن ماجه» : (صُرِفتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين) .
واختُلِف في الشهر الذي حُوِّلت فيه؛ فقيل: نصف شعبان يوم الثلاثاء في الظهر، وقيل: رجب في نصفه في صلاة الظهر يوم الاثنين، وقيل: جمادى الآخرة.
واختُلِف في المسجد الذي حُوِّلت فيه؛ فقيل: مسجده عليه السلام، وقيل: مسجد بني سَلمة، وقال البرماويُّ في قول البخاريِّ: «على مسجد» : مسجد بني عبد الأشهل، قال: وهذا هو الظاهر، وقال الكرمانيُّ: (على مسجد) : هو غير مسجد قباء.
وكان ذلك في الركعة الثالثة في ركوعها، واختُلِف في أيِّ صلاة؛ فقيل: الظهر، وقيل: العصر، وقيل: الفجر.
واعلم أنَّ صلاته قبل مَقْدَمه المدينةَ كانت إلى بيت المقدس من حين الفرض إلى أن قدم المدينة، ثمَّ بها إلى وقت التحويل، وقال آخرون: إنَّه عليه السلام صلَّى أوَّل ما صلَّى إلى الكعبة، ثمَّ إنَّه صُرِف إلى بيت المقدس، وقال الزهريُّ: زعم ناسٌ _والله أعلم_ أنَّه كان يسجد نحو بيت المقدس ويجعل وراء ظهره الكعبة وهو بمكَّة، وزعم ناسٌ أنَّه لم يَزَلْ يستقبل الكعبة حتَّى خرج منها، فلمَّا قدم المدينة؛ استقبل بيت المقدس، قال ابن عبد البرِّ: وأحسنُ من ذلك قولُ من قال: إنَّه عليه السلام كان يصلِّي بمكَّة مستقبل القبلتين؛ يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، والله أعلم.
(أَجْدَادِهِ، أَوْ أَخْوَالِهِ) : هذا شكٌّ من الراوي، وهم أجداد وأخوال مجازًا؛ لأنَّ هاشمًا تزوَّج منهم سلمى بنت عمرو من بني عديِّ بن النجَّار، فولدت له عبد المطَّلب، والمذكور في «السِّيَر» أنَّ أوَّل ما نزل عليه السلام على كلثوم بن الهدم، وقيل: على سعد بن خيثمة، ثمَّ على أبي أيُّوب، وليسوا ولا واحد منهم من أخواله ولا أجداده، وإنَّما أخواله وأجداده في بني عديِّ بن النجَّار، وقد مرَّ بهم واعترضه سليط بن قيس، وأبو سليط في رجال من بني عديٍّ، فلم ينزل ونزل على بني مالك أخي عديٍّ، فلعلَّ ذلك وقع تجوُّزًا كعادة العرب في النسبة إلى الأخ، أو لقرب ما بين داريهما، والله أعلم.
فائدة: قال ابن النجَّار: المدَّة عند أبي أيُّوب: سبعة أشهر، وقال رزين: من ربيع الأوَّل إلى صفر من السنة الثانية، وقال الدولابيُّ: شهرًا.
فائدة: دارُ أبي أيُّوب رضي الله تعالى عنه مقابلةٌ لدار عثمانَ رضي الله تعالى عنه من جهة القِبلة، وبينهما الطريقُ، اشترى عرصتها الملك المظفَّر غازي بن العادل أبو بكر بن أيُّوب، وبناها مدرسةً، ووقفها على المذاهب الأربعة، وفي الإيوان الغربيِّ من القاعة الصغرى خزانةٌ صغيرةٌ ممَّا يلي القِبلة فيها محرابٌ يُقال: إنَّها منزل ناقته صلَّى الله عليه وسلَّم.
فائدة: روى ابن عساكر في ترجمة تُبَّع بن حسَّان الحميريِّ: لمَّا قدم مكَّة وكسا الكعبة، وخرج إلى يثرب، وكان في مئة ألف وثلاثين ألفًا من الفرسان، ومئة ألف وثلاثة عشر ألفًا من الرجالة، ولمَّا مرَّ بها؛ أجمع أربع مئة رجل من الحكماء العلماء وتبايعوا ألَّا يخرجوا منها، فسألهم عن الحكمة في مقامهم فقالوا: إنَّ شرف البيت
ص 62
وشرف هذه البلدة بهذا الرجل الذي يخرج يُقال له: محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فأراد تُبَّع أن يقيم، وأمر ببناء أربع مئة دار، لكلِّ رجل من الحكماء المذكورين دارٌ، واشترى لكلٍّ منهم جارية، وأعتقها، وزوَّجها منه، وأعطاهم عطاءً جزيلًا، وأمرهم بالإقامة إلى وقت خروجه، وكتب كتابًا، وختمه بالذهب، ودفع الكتاب إلى عالم عظيم فصيح كان معه فدبره، وأمره أن يدفع الكتاب لمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم إن أدركه، وإلَّا؛ من أدركه من ولده وولد ولده أبدًا إلى حين خروجه، وكان في الكتاب: أنَّه آمن به، وعلى دينه، وخرج تُبَّع من يثرب، فمات في بلاد الهند، ومن موته إلى مولد النبيِّ عليه السلام ألفُ سنة سواء، والذين نصروه عليه السلام من أولاد أولئك الأربع مئة، وفي رواية: أنَّهم كانوا الأوس والخزرج، وذكر القصَّة أيضًا ابنُ إسحاق، وأنَّه بنى للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم دارًا ينزلها إذا قدم المدينة، فتداول الدارَ الملَّاكُ إلى أن صارت لأبي أيُّوب، وهو من ولد ذلك العالم الذي دُفِع إليه الكتاب، ولمَّا خرج النبيُّ عليه السلام؛ أرسلوا إليه كتاب تُبَّع مع رجل يُسمَّى أبا ليلى، فلمَّا رآه عليه السلام؛ قال: «أنت أبو ليلى، ومعه كتاب تُبَّع الأوَّل» ، فبقي أبو ليلى متفكِّرًا، ولم يعرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: (من أنت؟ فإنِّي لم أرَ في وجهك أثر السحر) ، وتوهَّم أنَّه ساحر، فقال: «أنا محمَّد، هاتِ الكتاب» ، فلمَّا قرأه؛ قال: «مرحبًا بتُبَّع الأخ الصالح» ، ثلاث مرَّات.
(وَهُمْ رَاكِعُونَ) : يحتمل أن يُراد به حقيقة الركوع، وأن يُراد به الصلاة، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ.
(قُتِلُوا) ؛ أي: رجال قبل أن تحوَّل القبلة، إن قلت: قيدُ المعطوف عليه لا يلزم أن يكون قيدًا في المعطوف عند النحاة، فمن أين قيَّدته بقولك: (قبل أن تُحوَّل) ؟ وكذا عند الأصوليِّين عطف المطلَق أو العامِّ على الخاصِّ أو المقيَّد ليس مخصِّصًا للعامِّ، ولا مقيِّدًا للمُطلَق.
قلت: السياق يقتضي التقييد وحمل المطلَق على المقيَّد.
إن قلت: الواجب أن يُقال: (أو قُتِلوا) ؛ بـ (أو) لا بالواو.
قلت: يحتمل أن يكون المقتولون نفس المئتين، وفائدة ذكر القتل: بيان كيفيَّة موتهم؛ إشعارًا بشرفهم، واستبعادًا لضياع طاعتهم، أو أنَّ العقل قرينة؛ لكونها بمعنى (أو) ، انتهى، قاله الكرمانيُّ.
وقال والدي رحمه الله تعالى: هذا فيه نظرٌ؛ لأنَّ القبلة كان تحويلها قبل بدر، ولم يُقتَل أحدٌ قبل بدر، وقال شيخي رحمه الله تعالى: هذه اللفظة لم أرها إلَّا في رواية زهير، وباقي الروايات إنمَّا فيها ذكر الموت، وقد ذكرت من قُتِل قبل التحويل من غير قتال في «مبهماتي» ؛ فانظره.
وقال الكرمانيُّ: إن قلت: كما أنَّ النكرة المعادَة يجب ألَّا تكون هي بعينها الأولى، فهل الضمير الراجع إلى النكرة مثل ذلك؟
قلت:
ص 63
ليس مثله، بل يحتمل المغايرة والاتِّحاد.
إن قلت: هل فرقٌ من جهة علم المعاني بين أن يُقال: (ما يضيع الله إيمانكم) ، وبين ما عليه التلاوةُ من القرآن العظيم؟
قلت: الفرق بالتأكيد وعدمه، وقال الزمخشريُّ: {مَا كَانَ} [البقرة:114] ؛ معناه: ما صحَّ؛ يعني: فيه نفيُ إمكان الإضاعة، وهو أبلغ من نفي الإضاعة نفسها.
إن قلت: سياق كلام البراء يقتضي أن يُقال: (إيمانهم) ؛ بلفظ الغيبة.
قلت: المقصود تعميم الحكم للأمَّة حيًّا وميتًا، حاضرًا وغائبًا، فذكر الأحياء المخاطَبين؛ تغليبًا لهم على غيرهم.
(فَلَمْ نَدْرِ) ؛ أي: هل صلاتهم نافعة أم لا؟
فائدة: أبو إسحاق في السند هو السَّبيعيُّ اختلط، وقال صاحب «الميزان» : شاخ ونسيَ ولم يختلط، وقد سمع منه سفيان، وقد تغيَّر قليلًا، والراوي عنه هنا: زهير بن معاوية، قال صالح بن أحمد عن أبيه في حديثه، عن أبي إسحاق: ليِّن، سمع منه بأخرة، وقال أبو زرعة: ثقة إلَّا أنَّه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط، وقال الترمذيُّ: زهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأنَّ سماعه منه بأخرة، وقال ابن الصلاح: (واعلم أنَّ ما كان من هذا القبيل محتجًّا بروايته في «البخاريِّ» و «مسلم» أو أحدهما، فإنَّا نعرف على الجملة أنَّ ذلك ممَّا تميَّز، وكان مأخوذًا عنه قبل الاختلاط) ، انتهى
فائدة: قوله: (قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) : قال الكرمانيُّ: يحتمل أنَّ البخاريَّ ذكره على سبيل التعليق، ويحتمل أن يكون داخلًا تحت الإسناد السابق سيَّما لو جوَّزنا العطف بتقدير حرف العطف؛ كما هو مذهب بعض النحاة، انتهى، وقال والدي رحمه الله تعالى _ما ملخَّصه_: إنَّ هذا تعليق مجزوم به، وقال شيخي رحمه الله: إنَّه ليس بتعليق، ووهم من قال: إنَّه تعليق، انتهى، وقد رواه ابن سعد، فقال الحسن بن موسى: حدَّثنا زهير: حدَّثنا أبو إسحاق ... فذكره.
إشارة: البرَاء؛ بتخفيف الراء، وبالمدِّ على المشهور، وقيل بالقصر.
فائدة: المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام لها تسعةٌ وعشرون اسمًا، ذكرها ابن الملقِّن في «إشاراته» ، وقال السهيليُّ: وفي الخبر عن كعب الأحبار قال: إنَّا نجد في التوراة يقول الله تعالى للمدينة: (يا طابة، ويا طيبة، ويا مسكينة؛ لا تقبلي الكنوز؛ أرفع أجاجيرك على أجاجير القرى) ، وقد رُوِي هذا الحديث عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه يرفعه.
ورُوِي أيضًا أنَّ لها في التوراة أحد عشر اسمًا: المدينة، طابة، طيبة، المسكينة، الجابرة، والمحبَّة، والمحبوبة، والقاصمة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة، ورُوِي في معنى قوله تعالى: {مُدْخَلَ صِدْقٍ} [الإسراء:80] : أنَّها المدينة.
فائدة: فيه جوازُ النسخ ووقوعه، ولا عبرة بمن أحاله، قال ابن عبَّاس: أوَّل ما نُسِخ من القرآن شأن القِبلة والصيام، وأوَّل من صلَّى إلى الكعبة البراء بن معرور، وقال ابن العربيِّ وغيره: ونُسِخت القِبلة مرَّتين.
وفيه: أنَّ النسخ لا يثبت
ص 64
في حقِّ المكلَّف حتَّى يبلغه؛ لأنَّ أهل المسجد وأهل قباء صلَّوا إلى بيت المقدس بعض صلاتهم بعد النسخ لكن قبل بلوغه إليهم، وهو الصحيح في الأصول، وتظهر فائدة الخلاف في الإعادة.
ويتعلَّق بذلك أنَّ الوكيل هل ينعزل من حين العزل أو من بلوغ الخبر؟ والأصحُّ عندنا الأوَّل؛ بخلاف القاضي، والفرق تعلُّق المصالح الكلِّيَّة به؛ بخلاف الوكيل.
ويتعلَّق به أيضًا أنَّ الأَمَة لو صلَّت مكشوفة الرأس، ثمَّ علمت بالعتق في أثناء الصلاة، هل تبني أو تستأنف؟
خاتمة: وفي هذا الحديث من الفوائد: قبولُ خبر الواحد، قال الكرمانيُّ: ولا نسلِّم لهم الاستدلال؛ لأنَّ هذا الواحد احتفَّت قرائن بخبره؛ فأفاد العلم؛ لأنَّ القوم كانوا متوقِّعين تحويل الصلاة، وكان عليه السلام بقربهم، وغيره من القرائن، أقول: وبهذا يسقط ما يُقال: هذا نسخ للمقطوع به بالظنِّ الذي هو خبر الوحد، انتهى كلام الكرمانيِّ، وقد مال القاضي أبو بكر وغيره من المحقِّقين، واختار الغزاليُّ والقاضي وأهل الظاهر إلى جواز النسخ بخبر الواحد.
قال الكرمانيُّ: واختلف العلماء في أنَّ استقبال بيت المقدس كان ثابتًا بالقرآن أم لا؟ ذهب أكثرهم أنَّه بالسنَّة، ففيه دليلٌ على أنَّ القرآن ناسخٌ للسنة، انتهى كلام الكرمانيِّ.
وأجاب المانعون بأنَّه نسخ قرآن بقرآن، وأنَّ الأمر أوَّلًا كان يخيِّر المصلِّي أن يولِّيَ وجهه حيث شاء، بقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [البقرة:115] ، ثمَّ نسخ باستقبال القبلة.