و منذ اليوم الأول بعد حصولي على درجة الدكتوراه باشرت العمل لنشر (اليميني) . وكم كنت سعيدا بمصاحبتي لأبي النصر العتبي طيلة تلك المدة، أناقشه، وأحاوره، وأستفهم منه، متفقين أحيانا، ومختلفين أحيانا أخرى، أستزيد من علمه، وأصلح ما أخربه النساخ. فصار- رغم أسلوبه الأدبي المتكلف- صديقا أثيرا، أفهمه، وأفهم ما يعني ويقصد. ولطالما سرت خلفه أتتبع معلومة تاريخية، أو مفردة لغوية، أو ترجمة لأحد أشخاص (اليميني) .
و على الرغم من ورود ذكره في عدد من المصادر، إلا أن كل من ذكره من المؤرخين لم يقدم ترجمة وافية لحياته. ومما زاد الأمر إرباكا تشابه كنيته ولقبه مع خاله أبي نصر العتبي.
يجمع المؤرخون على أنه محمد بن عبد الجبار العتبي. لكن الخلاف كان حول كنيته، فجاء في المصادر: (أبو النصر) ، و (أبو النضر) ، و (أبو نصر) . لكن الذي يبدو لي أنه (أبو النصر) ، لأن الثعالبي- وهو معاصر له- ميز كنيته بوضوح حينما قال: «أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي ... وقدم خراسان على خاله أبي نصر العتبي» «1» . كما يحس هذا الأمر من عنوان كتاب للعتبي نفسه (شذور النصر من كلام أبي النصر) «2» ، حيث يوحي السجع بأنه أبو النصر لا أبو النضر. ولا يخفى على القارى ء سهولة تصحيف هذين الحرفين.
و هو ذو أصول عربية، حيث يرجع تاريخ أسرته إلى عتبة بن غزوان ممصّر البصرة «3» . لكن أحد أجداده كان قد توطن مدينة الري في فترة ما «4» . وشغل اثنان من هذه الأسرة منصب الوزارة للسامانيين هما: أبو جعفر العتبي، وأبو الحسين العتبي «5» . لكن
(1) الثعالبي- يتيمة الدهر، ج 4، ص 458.
(2) الجاجرمي- نكت الوزراء، ص 160.
(3) السمعاني- الأنساب، ج 4، ص 149؛ الصفدي- الوافي، ج 3، ص 215.
(4) الثعالبي- يتيمة الدهر، ج 4، ص 458؛ وانظر: تبريزي- ريحانة الأدب، ج 3، ص 67.
(5) كرماني- نسائم الأسحار، ص 35، ص 36؛ خواندمير- دستور الوزراء، ص 214.