فامتنع عن الإجابة بعلل اخترعها، ومعاذير تمحّلها «1» . وضاق «2» اليسع به ذرعا، ولم يجد من مناجزته بدّا، فنهض إليه محاربا حتى هزمه، وغنم ماله. فوقع سليمان إلى بخارى، وأطمع اليسع نزق شبابه في مغالبة عضد الدولة أبي شجاع على بعض حدود عمله، فكان مثله مثل العير «3» طلب قرنين فضيّع الأذنين، وذاك أنه لما بلغ الحدّين بين كرمان وفارس أتاه صاحب طليعته بطائفة من المستأمنة عن عسكر عضد الدولة أبي شجاع، فأحسن إليهم، وصبّ الخلع عليهم، ثم هرب نفر منهم راجعين وراءهم، فارتاب اليسع برفقائهم، وظنّ أن وراء استئمانهم حيلة أو غيلة، فأوسعهم تنكيلا، وعمهم بالعقاب قطعا وتمثيلا.
و استأمن عنه إلى عضد الدولة جملة من رجاله، فحملهم وحباهم، ووصلهم [173 أ] ومنّاهم، فلما رأى أصحابه تباعد ما بين الأمرين، تألّبوا عليه، وتنمّروا له، وتحزّبوا عنه، ونسل «4» من جملتهم صفقة واحدة ألف رجل من وجوه الديلم إلى معسكر عضد الدولة وهو بناحية اصطخر. وفسا الظّربان «5» بين الآخرين فجعلوا يتسللون لواذا، ويتفرقون جميعا وأشتاتا، حتى انفضّ عنه «6» عامة أهل عسكره، وبقي في خاصة غلمانه وحاشيته، فاضطر إلى معاودة كواشير «7» ، وأسرع منها بعياله، وبما خفّ عليه حمله من أثقاله وأمواله «8» ، نحو بخارى لا يلوي على أحد دون الإغذاذ «9» في السير، وطيّ بساط
(1) تكلفها. ابن منظور- لسان العرب، مج 11، ص 618 (محل) .
(2) وردت في الأصل: ذاق.
(3) الحمار. ابن منظور- لسان العرب، مج 4، ص 620 (عير) .
(4) أي خرج.
(5) حيوان صغير منتن الريح، كثير الفسو، يسمى (مفرّق النعم) لأنه إذا فسا بينها وهي مجتمعة، تفرقت. وهو من أمثال العرب. انظر: الميداني- مجمع الأمثال، ج 2، ص 90.
(6) وردت في الأصل: عنهم.
(7) وردت في الأصل: واشير، وفي ب: واشهر. وردت بعدها في الأصل: (فملكها) ، وهذا سهو من الناسخ، إذ إن هذه الكلمة ستأتي بعد قليل، فحذفناها.
(8) وردت في الأصل: أموالي.
(9) الإسراع. ابن منظور- لسان العرب، مج 3، ص 501 (غذذ) .