و بلغ أبا علي خبر الحادثة، فأرسل إلى ذوي التحزّب والتألب باحثا عما دعاهم إليه، فأظهروا «1» الضجر بمكانه، والتبرّم بطول زمانه، وساموه مفارقة كرمان ليستقر الأمر على ابنه اليسع بطاعتهم له «2» ، وتوخيهم موافقته. فعرك أبو علي قولهم بجنب المداراة والاحتمال في عاجل الحال، ثم جمع ما قدر عليه من صنوف الأموال، وكرّ عائدا إلى بخارى مخليا بين اليسع وبين تلك الولاية. وأقام ثقتيه بسوّيه «3» بن مهدي وترمش «4» الحاجب على خدمة اليسع وكفالة أمره، إذ كانت حداثته تقتضي استخلاف مثلهما في دهائهما وقوة رأيهما على حضانة أموره، وتبصيره الرشد في وجوه تدبيره.
و لما وصل أبو علي إلى بخارى، بولغ في تعهده، وإكرام مورده «5» ، وإحلاله «6» من الإيثار والإكبار محل مثله «7» ، إلى أن توفي بها في شوال سنة ست وخمسين وثلثمائة.
[172 ب] فأما اليسع فإنه ولي كرمان، فحمى أطرافها، وجبى أموالها. وكان أخوه سليمان مقيما بسيرجان «8» واليا عليها، فأغراه بسوّيه «9» بن مهدي به، وأشار عليه بمعاجلته قبل انتظام شمله، واستمرار حبله. فكتب إليه يستدعيه لمهم لا يستغني عن مفاوضته فيه،
(1) وردت في ب: فاضهروا.
(2) ساقطة في ب.
(3) وردت في الأصل: يسوء، وفي ب،: يسر، وفي د: بشر. قال مسكويه: «كان في جملة محمد بن إلياس رجل يعرف بعبد الله بن مهدي، ويلقب ببسّويه، شديد الغلبة عليه والتمكن منه» . تجارب الأمم، ج 6، ص 290 - 291.
(4) وردت في الأصل: تزمش. انظر: مسكويه- تجارب الأمم، ج 6، ص 291.
(5) وردت في ب مولده.
(6) وردت في ب: اجلاله.
(7) وردت في ب: مثله.
(8) وترد أيضا الشيرجان. قصبة كرمان. انظر: الاصطخري- مسالك الممالك، ص 159؛ Hudud al -Alam ,P .124 ؛ المقدسي- أحسن التقاسيم، ص 464؛ مستوفي- نزهة القلوب، ص 140، ص 188؛ لسترنج- بلدان الخلافة، ص 338.
(9) وردت في الأصل: بسوي، وفي ب: بسر. وفي د: بشر.