فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 554

و قضى الله بأن يكون ما يليه حتى يعترف خراسان «1» بأنه عذيقه المرجّب «2» وجذيله المحكّك «3» ، يتتبع ما يفسده الغير بالاستصلاح، ويستدرك ما أحرضته أيدي الاجتياح، ويداوي كل حال بدوائه، ويرد غائر الماء إلى لحائه، فأجرى الوزير أبو العباس الأمور مجاريها «4» على جملة لم يعرف فيها غير الجباية والاستدرار، وقصد التوفير دون الاستعمار «5» ، حتى جبى مالا عظيما، سنين عدة. إذ كانت خراسان بعد مكسوعة بأغبارها «6» ، لم تنتزف منها دواعي اللبن، ولم ينتزع عنها كواسي السمن. فلما احتلبها انتزافا، واستنفد ما في ضرعها إسرافا، ومن قبل ما قد حال بينها وبين خصب المراتع، وبرد الموارد والمشارع، وضعت «7» له ما على ظهورها من فضول دسم، وسمحت بما وراء عظامها من نقي مقتسم، حتى صارت من فرط الهزال والعجف، كالأهلة المحنيّة، بل الأخلّة «8» المبريّة.

و تداعى بالخراب معظم الضياع، ووقعت القني بين القصور والانقطاع، وشرّد في البلاد أكثر الأكرة والزرّاع. فعندها أخذ الجار بذنب [193 أ] الجار، وألزم القارّ مؤونة الفارّ، حتى تمت البلوى، وعمت الشكوى، وشملت خراسان نوائب البؤس، وذهبت حرائب

(1) أي أهل خراسان.

(2) عذيق: تصغير عذق وهو النخلة، وهذا تصغير تعظيم. والترجيب أن تدعم النخلة إذا كثر حملها لئلا تتكسر أغصانها. ومنه حديث السقيفة: أنا عذيقها المرجّب. انظر: ابن منظور- لسان العرب، مج 1، ص 412 (رجب) ، مج 10، ص 238 (عذق) .

(3) الجذيل: أصل الشجرة تحتك به الإبل فتشتفي به من جربها. ومنه الجذل: العود الذي ينصب للإبل الجربى. ومنه حديث السقيفة: أنا جذيلها المحكك، أي جرّبتني الأمور، ولي رأي وعلم يشتفى بهما كما تشتفي هذه الإبل الجربى بهذا الجذل. انظر: ابن منظور- لسان العرب، مج 11، ص 107 (جذل) . وانظر: الأصمعي- كتاب الأمثال، ص 67.

(4) وردت في ب: على مجاريها.

(5) أي عمارة البلاد.

(6) كسع الناقة بغبرها: ترك في ضرعها بقية من اللبن. وغبر اللبن: بقيته، وجمعه أغبار. انظر: ابن منظور- لسان العرب، مج 5، ص 3 (غبر) ، مج 8، ص 310 (كسع) .

(7) خراسان.

(8) جمع خلال وهو العود الذي يتخلل به. ابن منظور- لسان العرب، مج 11، ص 214 (خلل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت