تحقيق ما أوجب عليه ضمانه، وبذل به رهنه ولسانه، وهو يتميل «1» في ذلك سرا بين وعد وإخلاف، ويترجح بين وفاق وخلاف، حتى إذا حان حين الأداء، طالبه الأمير «2» بالوفاء، وأغلظ عليه في الاقتضاء، لما رآه من فرط الإباء والالتواء، وهما «3» على صحراء غاصّة بغلمانهما وأتباعهما «4» ، فحدّثته عجرفية الطبع بالمنع، ولم يرض بالقول، حتى انتضى سيفه وضرب يد الأمير ضربة أوسعت جرحها، فلما تبيّن غدره، ضرب بيده إلى سيفه، وهي تشخب «5» دما، فضرب منكبه «6» ضربة انتصفت له منه «7» ، وطلبه بأخرى، فحجزه عنها اختلاط الفريقين، وأهاب الأمير إلى رفقائه، وغلمان داره بطرد الغواة وحطمهم، وتبييض تلك النواحي من سوادهم، [و تحمير تلك التربة من دماء أجسادهم] «8» ، فلم يبلغ النهار إلا وبست له صافية، وأطرافها عن ذوي الخلاف خالية، وبشعار دولته حالية، وامتدّ پايتوز وطغان، إلى نواحي كرمان «9» وسجستان، ولم يحلم أحد منهما بأن يلتفت وراءه، فضلا عن أن يتمنى لقاءه.
وكان من جملة ما [13 أ] استفاده ذلك الأمير، من صفايا ذلك الفتح أبو الفتح علي بن محمد البستي «10» الكاتب صاحب التجنيس رحمه الله، فإنه كان كاتبا لپايتوز،
(1) التمييل بين شيئين كالترجيح بينهما. ابن منظور- لسان العرب، مج 11، ص 637 (ميل) .
(2) أي الأمير سبكتكين.
(3) أي الأمير سبكتكين وطغان.
(4) ساقطة في ب.
(5) أي تسيل. ابن منظور- لسان العرب، مج 1، ص 485 (شخب) .
(6) وردت في ب: منكبيه.
(7) وردت في الأصل: منها، والتصحيح من ب.
(8) ساقطة في ب.
(9) إقليم على ساحل الخليج العربي محصور بين مكران والمفازة الكبرى وفارس. انظر: الاصطخري- مسالك الممالك، ص 158؛ Hudud al -Alam ,P .123 ؛ المقدسي- أحسن التقاسيم، ص 459؛ لسترنج- بلدان الخلافة، ص 337.
(10) الشاعر والأديب المولع بالتجنيس. (ت 400 أو 401 ه) . عنه، انظر: الثعالبي- يتيمة الدهر، ج 4، ص 345؛ الخولي- أبو الفتح البستي (حياته وشعره) .