فلما استمرت به الكشفة، أعيته صحبته، فتخلّف عنه، ودلّ الأمير عليه، فاستحضره ومنّاه، واعتمده لما كان قبل معتمدا له، إذ كان محتاجا إلى مثله في آلته وكفايته، ومعرفته وهدايته وحنكته ودرايته.
وحدثني أبو الفتح رحمه الله، قال: لمّا استخدمني الأمير الماضي، وأحلّني محل الثقة الأمين عنده في مهمات شأنه، وأسرار ديوانه، وكان پايتوز بعد حيا، وحسّادي يلوون ألسنتهم بالقدح فيّ، والجرح لموضع الثقة بي ليّا «1» ، أشفقت لقرب العهد بالاختيار، من أن يعلق «2» بقلبه شى ء من تلك الأقوال، ويقرطس «3» غرض القبول بعض تلك النبال، فحضرته ذات يوم، وقلت له: إن همة مثلي من أرباب هذه الصناعة لا ترتقي إلى أكثر مما رآني الأمير أهلا له من اختصاصه واستخلاصه، وتقريبه واختياره وترتيبه لمهمات أسراره، غير أن حداثة عهدي بخدمة من كنت به موسوما، واهتمام الأمير ببعض ما بقي من شغله يقتضيانني أن استأذنه في الاعتزال [13 ب] إلى بعض أطراف مملكته ريثما يستقر «4» له هذا الأمر في نصابه، فيكون ما آتيه «5» من هذه الخدمة أسلم من التهمة، وأقرب إلى السّداد، وأبعد من كيد الحسّاد، فارتاح لما سمعه، وأوقعه من الأحماد «6» موقعه، فأشار عليّ بناحية الرّخّج «7» ، وحكّمني في أرضها [أتبوأ منها] «8» حيث أشاء، إلى أن يأتيني الاستدعاء.
(1) مفعول مطلق للفعل الذي سبقه (يلوون) .
(2) وردت في الأصل، وفي ب: تعلق، وبها لا يستقيم النص.
(3) القرطاس: أديم ينصب للنضال، فإذا أصابه الرّامي، قيل: قرطس. ابن منظور- لسان العرب، مج 6، ص 172 (قرطس) .
(4) وردت في الأصل: ريث فاستقر، والتصحيح من ب.
(5) وردت في الأصل: إليه، والتصحيح من ب.
(6) من الحمد. وأحمده: استبان أنه مستحق للحمد، فيقال: رجل حمد، ومنزل حمد. ابن منظور- لسان العرب، مج 3، ص 156 (حمد) .
(7) وترد أيضا: رخذ ورخّذ: رستاق يتألف مما حول قندهار من بلاد. وهو في شرق بست بامتداد ضفاف نهري:
ترنك وأركنداب. قصبته بنجواي (پنج واي) . انظر: الاصطخري- مسالك الممالك، ص 244؛- Hudud al Alam ,P .111 ,121 ,346 ؛ المقدسي- أحسن التقاسيم، ص 305؛ لسترنج- بلدان الخلافة، ص 377، ص 383، ص 385.
(8) إضافة من ب.