فتوجّهت نحوها فارغ البال، رافغ «1» العيش والحال، سليم اللسان والقلم، بعيد القدم عن مخاضات التّهم «2» .
قال: وكنت أدلجت «3» ذات ليلة، وذلك في فصل الربيع أؤم «4» منزلا «5» أمامي، فلما أصبحت، نزلت فصلّيت وسبّحت ودعوت وقمت للركوب، ففتح ضياء الشروق طرفي على قرية ذات يمنة «6» محفوفة بالخضر، مغمومة بالنّور والزّهر، وأمامها أرض كأنها مفروشة ببساط من الزبرجد منجّد بالدّر والمرجان، مرصّع بالعقيق والعقيان «7» ، يتسبسب بينها «8» أنهار كبطون الحيّات، في صفاء ماء الحياة «9» . وقد فغمني «10» من نسيم هوائها عرف المسك السحيق، والعنبر الفتيق، فاستطبت المكان، وتصوّرت منه الجنان، وفزعت إلى كتاب أدب كنت استصحبته وحملته مع نفسي لأخذ الفأل، على المقام والارتحال، ففتحت أول [14 أ] سطر من الصفحة عن بيت شعر وهو:
وإذا انتهيت إلى السلا ... مة في مداك فلا تجاوز
فقلت: هذا والله الوحي الناطق، والفأل الصادق. وتقدمت بعطف ضبنتي «11» إليها،
(1) وردت في الأصل، وفي ب: رافع. والأصح ما أثبتناه حيث إن رافغ تعني سعة العيش والخصب والسعة. ابن منظور- لسان العرب، مج 8، ص 430 (رفغ) .
(2) ساقطة في ب.
(3) وردت في ب: اربحت.
(4) وردت في ب: لؤم.
(5) وردت في الأصل: منورا، والتصحيح من ب.
(6) خلاف اليسرة، أي ذات ناحية جهة اليمين. ابن منظور- لسان العرب، مج 13، ص 459 (يمن) .
(7) الذهب. ابن منظور- لسان العرب، مج 13، ص 288 (عقن) .
(8) وردت في ب: بها.
(9) وردت في الأصل: الحيوة.
(10) فغمة الطيب: رائحته، وفغمني: سدّ خياشيمي. ابن منظور- لسان العرب، مج 12، ص 456 (فغم) .
(11) الضّبنة: ما تحت يدك من مال وعيال تهتم به، ومن تلزمك نفقته. ابن منظور- لسان العرب، مج 13، ص 253 (ضبن) . ويقصد أنه أمر بإرسال عياله وما معه إليها.