وغنيت «1» ستة أشهر بها في أنعم عيش وأرخاه، وأهنأ شرب وأمراه «2» . إلى أن أتاني كتاب الأمير في استدعائي إلى حضرته بتبجيل وتأميل، وترتيب وترحيب «3» ، فنهضت إليها «4» ، وحظيت بما حظيت به منها إلى يومي هذا «5» .
وكان اختياره ذلك أحد ما استدلّ به ذلك الأمير على رأيه ورزانته، ودرّجه به إلى محلته ومكانته، وصار من بعد ينظم بأقلامه منثور الآثار عن حسامه، وينسج بعباراته وشائع «6» فتوحه ومقاماته، وهلمّ جرّا إلى زمان السلطان «7» يمين الدولة وأمين الملة. فقد كتب له عدّة فتوح إلى أن زحزحه القضاء عن خدمته، ونبذه إلى ديار الترك من غير قصده وإرادته، فمات بها غريبا، ولم يجد من مساعدة الزمان نصيبا.
ولما استتب للأمير تلك النواحي، واستقرت على شعار دعوته الأقاصي والأداني، وصفت له أشرابها، ودرّت عليه أحلابها، استخلف عليها من اختاره [14 ب] من ثقاته وخواصه.
وكانت بلاد قصدار «8» قد وقعت من وراء بيضته «9» . ومرد عليه واليها، لحصانة أطرافها ونواحيها، وخشونة مصاعدها ومهاويها، وظنّ «10» أن بعد الشقّة،
(1) غني القوم في ديارهم إذا طال مقامهم فيها. ابن منظور- لسان العرب، مج 15، ص 139 (غنا) .
(2) وردت في الأصل: أمره، والتصحيح من ب.
(3) وردت: (ترحيل) عند: الثعالبي- يتيمة الدهر، ج 4، ص 347.
(4) أي إلى حضرته.
(5) انتهى كلام أبي الفتح البستي.
(6) جمع وشيعة، وهي كبّة الغزل. ابن منظور- لسان العرب، مج 8، ص 394 (وشع) .
(7) وردت في الأصل: السلاطين، والتصحيح من ب.
(8) وترد أيضا: قزدار. قصبة ناحية طوران من إقليم مكران. انظر: الاصطخري- مسالك الممالك، ص 171؛ Hudud al -Alam ,P .123 ؛ المقدسي- أحسن التقاسيم، ص 476؛ مستوفي- نزهة القلوب، ص 259؛ لسترنج- بلدان الخلافة، ص 368، ص 370.
(9) بيضة الدار: وسطها. ابن منظور- لسان العرب، مج 7، ص 127 (بيض) . وقال: من وراء، لأنها لم تكن تحت نفوذه.
(10) وردت في ب: فظنّ. وهي عائدة على والي قصدار.