و اجتلى نهار المشيب عيانا، وأفنى ثلاث عمائم ألوانا:
سوداء داجية وسحق مفوف ... وأجد لونا بعد ذاك هجانا
و حان له أن يصحو عن قهوة البطالة، وينزل عن صهوة الاستطالة، ويبكي لضحك المشيب برأسه، ونصول الأنقاس «1» عن قرطاسه، وتمشّي الوهي في عظامه، وقعود القوى به عند قيامه، وإصباحه على خمار ندمه، وافتضاحه بعثار قدمه، ونداء برهان الله عليه باتساع محجته، وانقطاع حجته، وإتلاع النار أعناقها لا لتقاطه، واختطافه هاويا عن سراطه. يستجيز العمى عن سبيل الله، والصمم دون أمر الله، خبطا في ليل الخبال، وحطبا في حبل الضلال، ورجوعا في حافرة الخسار، وولوعا بفاجرة الآثار، وخلاء «2» في شطن «3» العتوّ والغلو، وإباء إلا على النفس الأمّارة بالسوء، فلا درّ درّ الشيب مشوبا «4» بدنس الجيب، ولا نوّرت أقاحي القذال إلا على مكارم الأفعال:
فأقبح ما اجتلاه الطرف يوما ... ضياء الشيب في حلك الخصال «5»
نعوذ بالله من غضب الرحمن، وختمة العمر بطابع الخذلان، وتعريضه المشيب لما يهتك من أستاره، ويكشف من أسراره «6» ، ويمحق «7» [207 أ] من نوّاره، ويحرق من نوره بناره، وعصم أقمار الكرام وأحرار الأنام عن مصرع الغوي أبي الحسن البغوي دلّة الاحتيال، وسلة الافتعال، وجراب المخاريق، وجرداب «8» التخاليط، وعقرب التضريب،
(1) جمع نقس: المداد. ابن منظور- لسان العرب، مج 6، ص 240 (نقس) .
(2) الخلاء في الإبل كالحران في الدواب. ابن منظور- لسان العرب، مج 1، ص 68 (خلأ) .
(3) الشّطن: الحبل. ابن منظور- لسان العرب، مج 13، ص 237 (شطن) .
(4) وردت في ب: مشبوبا.
(5) وردت في ب: حلل الخضاب.
(6) وردت في د: ازراره.
(7) وردت في د: يمحو.
(8) تعريب (گرداب) الفارسية، وتعني معظم البحر. انظر: ابن منظور- لسان العرب، مج 1، ص 265 (جردب) ؛ ادي شير- معجم الألفاظ، ص 39.