وكان من جملة القوّاد بها «1» كيتاش، وبكتاش، وإخوة الحسن بن مالك وأضرابهم من أنياب تلك الدولة ووجوه أنشائها، ورجوم سمائها. فطال هناك ثواؤهم، وقصر عن المراد غناؤهم «2» ، لمناعة الحصار «3» ، وحصانة سوره، وشدّة أغلاقه وسدوده. وأعيا الخندق المحيط به على الفارس أن يعبره ركضا، وعلى الراجل أن يقطعه خوضا، ولإرصاد خلف إياهم بفنون الحيل التي يقلّ استثباتها بالظن والحسبان، إيهاما للبيات، واطّلاعا على مأمون الجهات، وقذفا بجرب الأفاعي عن أفواه المجانيق والعّرادات «4» ، حتى يضطروا بذلك إلى الارتحال، والتّنقّل في المضارب والمحال.
وبقوا هناك قرابة سبع سنين على هذه الجملة، حتى فنيت الرجال، ونزفت «5» الأموال، وذهبت الحرائب «6» ، وعطبت المطايا والركائب. وكانت هذه من أوائل الوهن على تلك الدولة «7» . ومن هناك وهي «8» العقد، وانبثق السّكر «9» ، وتزايد الفتق، [23 ب] واتسع الخرق. ولكلّ أمر أمد، ولكل أمّة أجل، ولكل ولاية نهاية، يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ «10» .
وتذاكر أركان تلك الدولة «11» فيما بين هذه الحال، لزوم صاحب الجيش
(1) أي بجمرات خراسان.
(2) وردت في الأصل: غناءهم، والتصحيح من ب.
(3) المقصود به الحصن أو القلعة. انظر: لسترنج- بلدان الخلافة، ص 357، ص 376.
(4) جمع عرّادة، وهي شبه المنجنيق، لكنها أصغر. ابن منظور- لسان العرب، مج 3، ص 288 (عرد) ؛ وانظر:
الرصافي- الآلة والأداة، ص 215.
(5) وردت في ب: ترفت.
(6) جمع حريبة، وهي المال الذي يسلب، وحريبة الرجل: ماله الذي يعيش به، والمسلوب منه. ولا يسمى بذلك إلا بعد ما يسلبه. ابن منظور- لسان العرب، مج 1، ص 303 - 304 (حرب) .
(7) وردت في الأصل: الوهلة، والتصحيح من ب.
(8) أي ضعف. ابن منظور- لسان العرب، مج 15، ص 417 (و هي) .
(9) السّكر: السد. انظر: لسترنج- بلدان الخلافة، ص 384؛ إبراهيم- ريف بغداد، ص 283، ص 291.
(10) سورة الرعد، الآية 39.
(11) أي الدولة السامانية.