[و مماصعا ومكاوحا] «1» حتى كثر القتلى بين الفريقين، وطالت يد الانتصاف على أصحاب الحسين، فعندها كتب إلى بخارى متنصّلا عن سمة الخلاف، ومتلطّفا للاستفادة «2» والاستعطاف، ومظهرا الطاعة في وفادة الحضرة، ومباشرة تراب الخدمة، حتى صادف إرخاء من ضيق الخناق، وفكاكا من شدّة الإرهاق، فأحسن ذلك الأمير إجابته، وقابل بالقبول «3» إنابته، وسهّل إلى ورود الحضرة سبيله، وحقّق بالإحسان والإفضال تأميله.
واستقرّت أمور سجستان على خلف بن أحمد، فطالت عليها «4» أيامه، وطارت فيها أوامره وأحكامه، وانبسطت بالعزّ يده وباعه، وتموّجت بذخائر الأموال رباعه وقلاعه.
وانقطعت عن بخارى موادّ خدمته وطاعته، وإعفائه «5» بمال مواقفته، ومقابلة حق الاصطناع بواجبه. وانضاف إلى ذلك استهانته بالأوامر الصادرة إليه في حثه على رشده، ودعائه إلى ما يجمع صلاح يومه وغده، فجرّد عند ذلك الحسين بن طاهر [23 أ] لمناهضته في جمرات «6» خراسان ومشاهير رجالها، ومساعير أبطالها. فحصره في قلعة أرك «7» ، ودارك عليه الحرب زمانا طويلا، فلم يغن فتيلا «8» ، ولم يجد إلى الافتتاح سبيلا.
وجعل أبو الحسين العتبي يزيده عددا على عدد، وصفدا على صفد.
(1) إضافة من ب، المماصعة: المجالدة والمضاربة. ابن منظور- لسان العرب، مج 8، ص 337 (مصع) .
والمكاوحة: المقاتلة والخصومة. ابن منظور- لسان العرب، مج 2، ص 575 (كوح) .
(2) وردت في ب: للاستقالة، وبالوجهين يستقيم المعنى.
(3) وردت في الأصل: بالعيون، والتصحيح من ب.
(4) وردت في الأصل: فيه، والتصحيح من ب.
(5) إعطائه. ابن منظور- لسان العرب، مج 15، ص 75 (عفا) .
(6) الجمرة: ألف فارس. وكل قوم يصبرون لقتال من قاتلهم لا يحالفون أحدا، ولا ينضمون إلى أحد. ابن منظور- لسان العرب، مج 4، ص 145 (جمر) .
(7) عنها، انظر: تاريخ سيستان، ص 5، وقد ذكرها (أراك) . أرك: قصر أو قلعة صغيرة مبنية وسط قلعة كبيرة معدة لسكن الملك أو حاكم المنطقة. التونجي- المعجم الذهبي، ص 61.
(8) الفتيل: ما يفتل بين الإصبعين من الوسخ، وشق النواة. تضرب مثلا للشى ء التافه الحقير. ابن منظور- لسان العرب، مج 11، ص 514 (فتل) .