فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 779

وتمتنع مخالفته، بخلاف سائر الفرق فإنهم جروا على ضابط واحد، وإن كان فيهم من هو أشد من أصحاب التأويل.

الصنف الثاني: أصحاب التخييل

، وهم الذين اعتقدوا أن الرسل لم يفصحوا للخلق بالحقائق، إذ ليس في قواهم إدراكها، وإنما أبرزوا لهم المقصود في صورة المحسوس، قالوا: ولو دعت الرسل أممهم إلى الإقرار برب لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا محايثه، ولا مباينا له، ولا متصلا به، ولا منفصلا عنه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن يساره، لنفرت عقولهم من ذلك، ولم تصدق بامكان هذا الوجود، فضلا عن وجوب وجوده، وكذلك لو أخبرهم بحقيقة كلامه، وأنه فيض فاض من المبدأ الأول على العقل الفعال؛ ثم فاض من ذلك العقل على النفس الناطقة الزكية المستعدة لم يفهموا ذلك ولو أخبروهم عن المعاد الروحاني بما هو عليه لم يفهموه، فقربوا لهم الحقائق المعقولة بإبرازها ذي الصور المحسوسة، وضربوا لهم الأمثال بقيام الأجساد من القبور في يوم العرض والنشور ومصيرها إلى جنة فيها أكل وشرب ولحم وخمر وجوار حسان، أو نار فيها أنواع العذاب، تفهيما للذات الروحانية بهذه الصورة وللألم الروحانى بهذه الصورة.

وهكذا فعلوا في وجود الرب تعالى وصفاته وأفعاله، ضربوا لهم الأمثال بموجود عظيم جدا أكبر من كل موجود، وله سرير عظيم وهو مستو على سريره، يسمع ويبصر ويتكلم ويأمر وينهي ويرضى ويغضب، ويأتي ويجي ء، وينزل، وله يدان ووجه ويفعل بمشيئة، وإذا تكلم العباد سمع كلامهم، وإذا تحركوا رأى حركاتهم، وإذا هجس في قلب أحد منهم هاجس علمه. وأنه ينزل كل ليلة إليهم إلى سمائهم هذه فيقول: «من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» «1» إلى غير ذلك مما نطقت به الكتب الإلهية، قالوا: ولا يحل لأحد أن يتأول ذلك على خلاف ظاهره للجمهور لأنه يفسد ما وضعت له الشرائع والكتب الإلهية. وأما الخاصة فإنهم يعلمون أن هذه أمثال مضروبة

(1) حديث النزول تقدم تخريجه أكثر من مرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت