فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 779

لأمور عقلية تعجز عن إدراكها عقول الجمهور، فتأويلها جناية على الشريعة والحكمة.

وحقيقة الأمر عند هذه الطائفة أن الذي أخبرت به الرسل عن اللّه وأسمائه وصفاته وأفعاله وعن اليوم الآخر لا حقيقة له تطابق ما أخبروا به، ولكنه أمثال وتخييل وتفهيم بضرب الأمثال. وقد ساعدهم أرباب التأويل على هذا المقصد في باب معرفة اللّه وأسمائه وصفاته، وصرحوا في ذلك بمعنى ما صرح به هؤلاء في باب المعاد وحشر الأجساد بل نقلوا كلماتهم بعينها إلى نصوص الاستواء والفوقية، ونصوص الصفات الخبرية، لكن هؤلاء أوجبوا أو سوغوا تأويلها بما يخرجها عن حقائقها وظواهرها، وظنوا أن الرسل قصدت ذلك من المخاطبين تعريضا لهم إلى الثواب الجزيل ببذل الجهد في تأويلها واستخراج معاني تليق بها، وأولئك حرموا التأويل ورأوه عائدا على الشريعة بالإبطال والطائفتان متفقتان على إبطال حقائقها المفهومة منها في نفس الأمر.

والصنف الثالث: أصحاب التجهيل

الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها ولا يدرى ما أراد اللّه ورسوله منها، ولكن نقرؤها ألفاظا لا معاني لها ونعلم أن لها تأويلا لا يعلمه إلا اللّه، وهي عندنا بمنزلة (كهيعص) (وحم- عسق) و (المص) . فلو ورد علينا منها ما ورد لم نعتقد فيه تمثيلا ولا تشبيها. ولم نعرف معناه، وننكر على من تأوله، ونكل علمه إلى اللّه تعالى.

وظن هؤلاء أن هذه طريقة السلف وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات، ولا يفهمون معنى قوله: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، وقوله:

وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ (الزمر: 67) ، وقوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (طه: 5) وأمثال ذلك من نصوص الصفات.

وبنوا هذا المذهب على أصلين (أحدهما) أن هذه النصوص من المتشابه.

(الثاني) أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا اللّه، فنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأنهم كانوا يقرءون هذه الآيات المتعلقة بالصفات ولا يعرفون معنى ذلك ولا ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت