فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 779

وكان أبو المعالي الجويني يقول: لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغصت في الذي نهوا عنه، كل ذلك في طلب الحق، وهربا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق: عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطف بره، فأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، فالويل لابن الجويني، وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ، ما تشاغلت به.

وقال أبو الوفاء بن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريق أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت.

قال: وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك، وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم روائح الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين، وأصل ذلك أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع، وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل إدراك ما عند اللّه من الحكمة التي انفرد بها، ولا أخرج البارئ من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأمور.

قال: وقد بالغت في الأول طول عمرى، ثم عدت القهقري إلى مذهب الكتب وإنما قالوا: إن مذهب العجائز أسلم، لأنهم لما انتهوا إلى غاية التدقيق في النظر لم يشهدوا ما ينفي العقل من التعليلات والتأويلات، فوقفوا مع مراسيم الشرع وجنحوا عن القول بالتعليل، وأذعن العقل بأن فوقه حكمة إلهية فسلم.

ثم قال: فإن قال قائل: قد عبت طريق المقلدين في الأصول، وطريق المتكلمين، فما الطريق السليم من تلبيس إبليس.

فالجواب: أنه ما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأصحابه، وتابعوهم بإحسان، من إثبات الخالق سبحانه، وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات والأخبار، من غير تفسير، ولا بحث. عما ليس في قوة البشر إدراكه، وأن القرآن كلام اللّه غير مخلوق، قال علي كرم اللّه وجهه: واللّه ما حكمت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت