معقولا يعارض النص البتة؛ ولا عرف فيهم أحد، وهم أكمل الأمة عقولا؛ عارض نصا بعقله؛ وإنما حكى اللّه تعالى ذلك عن الكفار كما تقدم.
وثبت في «الصحيحين» عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال «من نوقش الحساب عذب» فقالت عائشة: يا رسول اللّه، أ ليس اللّه يقول فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (الانشقاق: 7) فقال «بلى، ولكن ذلك العرض. ومن نوقش الحساب عذب» «1» فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه لا تعارض بينهما، وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لا بد أن يبين اللّه فيه لكل عامل عمله، كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (الحاقة: 18) حتى إذا ظن أنه لا ينجو نجاه اللّه بعفوه ومغفرته ورحمته، فإذا ناقشه الحساب عذبه ولا بد.
ولما قال «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» قالت له حفصة: أ ليس اللّه تعالى يقول وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال: أو لم تسمعي قوله ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا «2» فأشكل عليها الجمع بين النصين، وظنت الورود هو دخولها، كما يقال: ورد المدينة إذا دخلها فأجابها النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين، فإن المتقين يردونهما ورودا ينجون به من عذابها؛ والظالمين يردونهما ورودا يصيرون جثيا فيها به.
وقال له عمر: أ لم تكن تحدثنا أنا نأتى البيت ونطوف به؟ فقال «هل قلت إنك تدخله العام؟» قال لا. قال «فإنك آتيه ومطوف به» «3» فأشكل على عمر رجوعهم عام الحديبية ولم يدخلوا المسجد الحرام، ولا طافوا بالبيت، فبين لهم أن اللفظ مطلق لا دليل فيه على ذلك العام بعينه، فتنزيله على ذلك العام غلط، فرجع عمر وعلم أنه غلط في فهمه.
(1) أخرجه البخاري (6536) ، ومسلم (2867) .
(2) (صحيح) أخرجه أبو داود (4653) ، والترمذي (3860) وقال: حسن صحيح وصححه الألباني.
(3) أخرجه البخاري (2731 - 2732) ، والإمام أحمد (4/ 300، 331) .