ولما نزل قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ (النساء: 123) قال أبو بكر: يا رسول اللّه، جاءت قاصمة الظهر، فأينا لم يعمل سوءا؟ فقال «يا أبا بكر، أ لست تنصب؟ أ لست يصيبك الأذى؟
قال: بلى، قال «فذلك مما تجزون به» «1» فأشكل على الصديق أمر النجاة مع هذه الآية وظن أن الجزاء في الآخرة ولا بد فأخبره النبي صلى اللّه عليه وسلم أن جزاءه وجزاء المؤمنين بما يعملونه من السوء في الدنيا ما يصيبهم من النصب والحزن والمشقة،
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/ 6، 11) وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه اللّه: أسانيدها ضعيفة لانقطاعها أ ه، وذكر الحافظ ابن كثير في «تفسيره» عدة روايات وطرق لهذا الحديث وشواهد له، ومنها ما رواه ابن جرير بسنده فقال عن عطاء بن أبى رباح قال: لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر!! فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «إنما هي المصيبات في الدنيا» ، ومنها ما رواه سعيد بن منصور بإسناده أن أبا هريرة رضى اللّه عنه قال: لما نزلت مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ شق ذلك على المسلمين، فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم:
«سددوا وقاربوا، فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها» ، قال ابن كثير: وكذا رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي، ومنها ما رواه ابن جير بإسناده عن الحسن قال في قوله تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ قال: الكافر، ثم قرأ وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ، قال ابن كثير: وهكذا روى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما فسرا السوء هاهنا بالشرك أيضا.
ثم قال: والصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال لما تقدم من الأحاديث وهذا اختيار ابن جرير واللّه أعلم.
ولما ذكر سبحانه الجزاء على السيئات وأنه لا بدّ أن يأخذ مستحقها من العبد إما في الدنيا وهو الأجود له، وإما في الآخرة والعياذ باللّه من ذلك، ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح والعفو والمسامحة، شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكر انهم وإناثهم بشرط الإيمان، وأنه سيدخلهم الجنة ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو النقرة التي في ظهر نواة التمرة أ ه قلت: في قوله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ راجع تفسير ابن كثير (/ 557 1، 559) .