فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 779

يعذبوا؛ فإذا فارقهم في النار وانسلخوا منه زال موجب العذاب؛ فعمل مقتضى الفطرة عمله، وأبدلوا ذلك بوجوه، وهذا أحدها.

الوجه الثاني: أن اللّه تعالى لم يخلق شيئا يكون شرا محضا من كل وجه، لا خير فيه بوجه من الوجوه، فإن هذا ليس في الحكمة بل ذلك لا يكون إلا عدما محضا، والعدم ليس بشي ء والوجود إما خير محض، وإما أن يكون فيه خير من وجه وشر من وجه، فأما أن يكون شرا من كل وجه، فهذا ممتنع؛ ولكن قد يظهر ما فيه من الشر ويخفي ما في خلقه من الخير. ولهذا قال تعالى للملائكة؛ وقد سألوا عن خلق هذا القسم فقالوا: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (البقرة: 30) .

فإذا كانت الملائكة مع قربهم من اللّه وعلمهم بأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه لم يعلموا حكمته سبحانه في خلق من يفسد كما يعلمها اللّه، بل هو سبحانه متفرد بالعلم الذي لا يعلمونه، فالبشر أولى بأن لا يعلموا ذلك، فالخير كله في يدى الرب والشر ليس إليه، فلا يدخل في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، وإن دخل في مفعولاته بالعرض لا بالذات. وبالقصد الثاني لا الأول دخولا إضافيا. وأما الخير فهو داخل في أسمائه وصفاته وأفعاله ومفعولاته بالذات والقصد الأول، فالشر إنما يضاف له مفعول لا فعله، وفعله خير محض. وهذا من معانى أسمائه المقدسة، كالقدوس والسلام والمتكبر، فالقدوس الّذي تقدس عن كل عيب، وكذلك السلام، وكذلك المتكبر، قال ميمون بن مهران: تكبر عن السوء والسيئات، فلا يصدر منه إلا الخيرات، والخيرات كلها منه فهو الذي يأتي بالحسنات ويذهب بالسيئات، ويصلح الفاسد ولا يفسد الصالح، بل ما أفسد إلا فاسدا، وإن كان الظاهر الّذي يبدو للناس صالحا فهو يعلم منه ما لا يعلم عباده.

والمقصود إن هي الإعدام ولوازمها؛ فالشر ليس إلا الذنوب وموجباتها وسيئات الأعمال وسيئات الجزاء وهى مترتبة على عدم الإيمان والطاعة وموجباتها فإذا أراد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت