فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 779

اللّه بعبده الخير أراد من نفسه سبحانه أن يوفقه له ويعينه عليه فيوجد منه؛ فيترتب عليه من الأمور الوجودية ما فيه صلاحه وسعادته، فإذا لم يرد به خيرا لم يرد من نفسه أن يعينه ويوفقه فيبقى مستمرا على عدم الخير والّذي هو الأصل، فيترتب على هذا العدم فقد الخير وأسبابه وذلك هو الشر والألم، فإذا بقيت النفس على عدم كمالها الأصلي وهى متحركة بالذات لم تخلق ساكنة تحركت في أسباب مضارتها وألمها، فتعاقب بخلق أمور وجودية، يريد اللّه سبحانه تكوينها عدلا منه في هذه النفس وعقوبة لها. وذلك خير من جهة كونه وعدلا وحكمة وعبرة، وإن كان بالإضافة إلى المعذب والمعاقب فلم يخلق اللّه سبحانه شرا مطلقا بل الذي خلقه من ذلك خير في نفسه وحكمة وعدلا. وهو شر نسبى إضافى في حق من أصابه، كما إذا أنزل المطر والثلج والرياح وأطلع الشمس كانت هذه خيرات في نفسها وحكم ومصالح وإن كانت شرا نسبيا إضافيا في حق من تضرر بها.

وبالجملة فالكلمة الجامعة لهذا هى الكلمة التي أثنى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ربه حيث يقول: «و الشر ليس إليك» فالشر لا يضاف إلى من الخير بيديه، وإنما ينسب إلى المخلوق كقوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (الفلق: 1، 2) فأمره أن يستعيذ به من الشر الّذي في المخلوق، فهو الذي يعيذ منه وينجى منه وإذا أخلى العبد قلبه من محبته والإنابة إليه وطلب مرضاته، وأخلى لسانه من ذكره والثناء عليه، وجوارحه من شكره وطاعته فلم يرد من نفسه ذلك ونسى ربه، لم يرد اللّه سبحانه ان يعيذه من ذلك، ونسيه كما نسيه وقطع الإمداد الواصل إليه منه كما قطع العبد العبودية والشكر والتقوى التي تناله من عباده قال تعالى لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ (الحج: 37) فإذا أمسك العبد عما ينال ربه منه أمسك الرب عما ينال العبد من توفيقه. وقد صرح سبحانه بهذا المعنى بعينه في قوله تعالى: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (الأنعام: 110) أي نخلي بينهم وبين نفوسهم التي ليس لهم منها إلا الظلم والجهل. وقال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت