فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 779

دل عليه كلام اللّه وكلام رسوله؛ وما قاله الصحابة ومن بعدهم، ولا تبادر إلى القول بلا علم ولا إلى الإنكار؛ فإن أسفر لك صبح الصواب؛ وإلا فرد الحكم إلى ما رده اللّه إليه بقول: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (هود: 107) وتمسك بقول علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، وقد ذكر دخول أهل الجنة وأهل النار النار، وصف حالهم ثم قال «و يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء» .

الوجه الرابع: إن الذي يخلقه اللّه سبحانه ويقدره من الأمور نوعان: غايات ووسائل وقد اقتضت حكمته أن الوسائل تضمحل وتبطل إذا حصلت غايتها كما يبطل السفر عند بلوغ المنزل، ويزول الأكل والشرب عند حصول الشبع والري، والخيرات والمنافع هي الغايات المقصودة لنفسها، والشرور والآلام إنما تقصد قصد الوسائل؛ لإفضائها إلى الخيرات والمنافع. وما كان مقصودا لنفسه فإن بقاءه ودوامه هو مقتضى الحكمة، وأما إذا كان مقصودا لغيره؛ فإذا حصل ذلك المقصود به لم يكن في دوامه وبقائه حكمة ولا مصلحة، واللّه تعالى خلق النار سوطا يسوق بها عباده إلى رحمته وجنته، ويخوفهم بها من معصيته ويطهر بها من اكتسب من عباده خبثا ونجاسة، ولا يصلح إلا بها لمساكنته في جنته وعقوبته يعاقب بها أعداءه على مقادير جرائمهم، وهذه كلها أمور مقصودة لغيرها مفضية إلى مصالح مقصودة لنفسها.

يوضحه الوجه الخامس: أن اللّه سبحانه جعل الشدائد والآلام والشرور في هذه الدار بتراء لا دوام لها جعل الشدة بين فرجين: فرج قبلها وفرج بعدها، والعسر بين يسرين، والبلاء بين عافيتين، فليس عنده شدة دائمة ولا بلاء دائم ولا كرب دائم في هذه الدار التي هي دار ظلم وبلاء وخيراتها ممزوجة بشرورها، وذلك أن الآلام والشدائد شرور، والشرور ليس إلى اللّه بخلاف الخيرات والنعم، فإنها من مقتضى صفاته، فهى دائمة بدوامه ومعلوم أن الدار التي هي حق من كل وجه أولى أن يكون الدوام لخيراتها ولذاتها ومسراتها، وأن تكون شرورها إلى اضمحلال وزوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت