فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 779

ويوضحه الوجه السادس: أن القضاء الإلهي خير كله، فإن مصدره علم اللّه وحكمته وكماله المقدس، فهو خير كله ومصلحة وحكمة وعدل ورحمة، ودخول الشر فيه بالعرض لا بالذات كالشر العارض في الحر والبرد والمطر، والأكل والشرب والأعمال النافعة، وأما العرض لا يقصد لذاته فلا يجب دوامه كدوام ما يقصد لذاته من الخيرات والمنافع.

*** الوجه السابع: إنك إذا اعتبرت هذه الآلام والشدائد، والنعمة والرحمة حشوها فظاهرها نقمة وباطنها نعمة فكم نقمة جلبت نعمة، وكم من بلاء جلب عافية، وكم من ذل جلب عزا، وكسر جلب جبرا، إذا اعتبرت أكثر الخيرات والمسرات واللذات وجدتها إنما ترتبت على الآلام والمشاق، وأعظم اللذة وأجلها ما كان سببه أعظمه ألما ومشقة. وهذه مشاهد في هذه الدار بالعيان، لما كانت أعلى الدرجات درجة أهل الجهاد كان أشق شي ء على النفوس وأكرهه إليها.

قال اللّه تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ: وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (البقرة: 216) ولهذا قيل:

وربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب

فلا يوصل إلى الراحة واللذة إلا على جسر التعب والألم، وهذا يريك أن المصائب والآلام حشوها نعم ولذات ومسرات، وهذا لأن الرحمة لها سبق والغلبة فما في طى النقم والعقوبات من الرحمة أسبق من العقوبة وهى الغاية للغضب، فلا بد أن يغلب أثرها أثر الغضب. كما غلبت الصفة للصفة.

ويوضحه الوجه الثامن: أن الرحمة سبقت إلى هذا المعاقب وظهر أثرها فيه فوجد بها وعاش وسمع وأبصر بها، وبطش بها ومشى وتحرك بها، وإلا لو لا أنها سبقت إليه لم يكن له قيام ولا حياة، بل إنما استظهر على معاصى الرب ومخالفته بالرحمة التي سبقت إليه ووسعته فغلبت أسبابا هلاكه وتلفه فلما تمكنت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت