فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 779

فنقول: تقسيمكم الألفاظ ومعانيها واستعمالها فيها إلى حقيقة ومجاز؛ إما أن يكون عقليا أو شرعيا، أو لغويا أو اصطلاحيا، والأقسام الثلاثة الأول باطلة، فإن العقل لا مدخل له في دلالة اللفظ وتخصيصه بالمعنى المدلول عليه حقيقة كان أو مجاز فإن دلالة اللفظ على معناه- وليست كدلالة الانكسار على الكسر والانفعال على الفعل- لو كانت عقلية لما اختلفت باختلاف الأمم ولما جهل أحد معنى لفظ، والشرع لم يرد بهذا التقسيم ولا دل عليه، ولا أشار إليه؛ وأهل اللغة لم يصرح أحد منهم بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقة ومجاز ولا قال أحد من العرب قط: هذا اللفظ حقيقة وهذا مجاز، ولا وجد في كلام من نقل لغتهم عنهم مشافهة ولا بواسطة ذلك، ولهذا لا يوجد في كلام الخليل وسيبويه والفراء وأبى عمرو بن العلاء والأصمعى وأمثالهم، كما لم يوجد ذلك في كلام رجل واحد من الصحابة ولا من التابعين ولا تابع التابعين، ولا في كلام أحد من الأئمة الأربعة.

*** وهذا الشافعي وكثرة مصنفاته ومباحثه مع محمد بن الحسن وغيره لا يوجد فيها ذكر المجاز البتة؛ وهذه رسالته التي هي كأصول الفقه لم ينطق فيها بالمجاز في موضع واحد، وكلام الأئمة مدون بحروفه لم يحفظ عن أحد منهم تقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز، بل أول من عرف عنه في الإسلام أنه نطق بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى فإنه صنف في تفسير القرآن كتابا مختصرا سماه مجاز القرآن، وليس مراده به تقسيم الحقيقة، فإنه تفسير لألفاظه بما هي موضوعة له، وإنما عنى بالمجاز ما يعبر به من اللفظ ويفسر به كما سمي غيره كتابه معانى القرآن، أى ما يعنى بألفاظه ويراد بها، كما يسمى ابن جرير الطبري وغيره ذلك تأويلا، وقد وقع في كلام أحمد شي ء من ذلك؛ فإنه قال في «الرد على الجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن» : وأما قوله إِنِّي مَعَكُمْ [المائدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت