فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 779

وسيأتى بيان أن أرباب المجاز يلزمهم أن يكون قولنا محمد رسول اللّه مجازا، بل ذلك صريح قولهم فإنهم صرحوا أن الإضافة تقييد وأصابوا في ذلك وصرحوا بأن اللفظ وضع مطلقا لا مقيدا، فاستعماله في المقيد استعمال له في غير ما وضع له كاستعمال العام في الخاص، وذلك المجاز بعد التخصيص كهذا المجاز بعد التقييد، فإن الإضافة تفيد المطلق كما أن الاستثناء والشرط والغاية والبدل والصفة تخص العموم، وقد صرح ابن جني أن أكثر اللغة مجاز، قال: وكذلك عامة الأفعال كقام وقعد وانطلق وجاء، قال: لأن الفعل يستفاد منه الجنس، ومعلوم أن الفاعل لم يكن منه جميع القيام، وسيأتي تمام كلامه والبيان الواضح في فساده.

والمقصود أن على هذا القول الفاسد يكون قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ (الفتح: 28) ، وقوله: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا (النساء: 79) ، وقوله فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ (البقرة: 213) كل ذلك مجازا لا حقيقة له بل كل فعل أضافه الرب إلى نفسه وإلى خلقه مجاز لا حقيقة له على قول هذا المبتدع الضال، فإن الفعل جنس، والجنس يطلق على جميع الماضى وجميع الحاضر وجميع الأمور والكائنات وعن كل من وجد منه القيام، ومعلوم أنه لا يجتمع لإنسان واحد في وقت واحد ولا في مائة ألف سنة مضاعفة القيام كله الداخل تحت الوهم، هذا محال، وإذا كان كذلك علمت أن قام زيد مجاز لا حقيقة.

فانظر كيف أقر واستدل وقرر أ أفعال اللّه كلها مجاز، فخلق السماوات والأرض عنده مجاز، وقد صرح بأن المجاز يصح نفيه، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق مجاز عنده، فقبح اللّه هذا القول ولا بارك اللّه في أصل يتضمن هذا الكفر والجنون وقد صرح مغل الجهمية بأن خلق واستوى مجاز، فلا خلق في الحقيقة ولا استوى على عرشه، فإن الخلق فعل فلا يصح قيامه به عندهم لأنه حادث؛ فلم يقم به خلق البتة، وإنما يقال خلق على سبيل المجاز للتعلق العدمي بين المخلوق وبينه سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت