فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 779

لكل مقيد مجازا، وإن كانت دلالتها عند التقييد لم توجب لهما مفارقة الحقيقة، فكل مقيد حقيقة. ألا ترى أنك تقول عندي رجل فيكون له دلالة، فإذا قلت:

الرجل عندي تغيرت دلالته وانتقلت من التنكير إلى التعريف، فإذا قلت عندي رجل عالم تقيد منع دلالته على غيره، فإذا قلت عندي رجلان كان له دلالة أخرى فإذا قلت رجال تغيرت الدلالة ولم يخرج بذلك عن حقيقته وموضوعه، بل اختلفت دلالته بحسب القرائن التي تكون في أوله تارة وفي آخره تارة، وهي متصلة به وتكون منفصلة عنه تارة، إما لفظية وإما عرفية وإما عقلية، فهذا أمر معلوم عند الناس في مخاطبات بعضهم مع بعض، وهو من ضرورة الفهم والتفهيم لا يختص بلغة دون لغة.

فالفرق بين المعاني المطلقة والمقيدة أمر ضروري، والحاجة في التمييز بينهما في العبارة من لوازم النطق، فمن ادعى أن بعضها هو الأصل، وأن اللفظ وضع له أولا، ثم نقل عنه بعد ذلك إلى المعاني الأخر فهو مكابر، إذ تصور تلك المعانى والتعبير عنها أمر لازم للناطق ونطقه، بل نقول إن لزوم المقيد له وحاجته إلى التعبير عنه وإفهامه فوق حاجته إلى المطلق، فإن القصد من الخطاب قيام مصالح النوع الإنساني بالفهم والتفهيم والمطلق صورة ذهنية لا وجود لها في الخارج، وكذلك اللفظ المطلق المجرد لا يفيد فائدة وإنما محل الإفادة والاستفادة هو طلب المعاني المقيدة والألفاظ المقيدة، فهي التي تشتد الحاجة إلى طلبها والخبر عنها، فهؤلاء عكسوا الأمر فجعلوا ما لا غنى للناطق عنه مجازا وما لا، يحتاج إليه، ولا تشتد حاجته إلى فهمه وتفهيمه حقيقة.

(والمقصود) إنه إن كان المجاز حقا ثابتا فاللغة كلها مجاز، فإن الألفاظ لا تستعمل إلا مقيدة تخالف دلالتها عند الإطلاق، وإن كانت الحقيقة موجودة فإن اللغة كلها حقيقة ما دلت على المراد بتركيبها. وهذا شأن جميع الألفاظ.

يوضحه:

الوجه التاسع والثلاثون: إن هؤلاء أوتوا من تقدير في الذهن لا حقيقة له،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت