مُوسى تَكْلِيمًا (النساء: 64) فليس هو من باب المجاز، بل هو حقيقة قال أبو الحسن: خلق اللّه كلاما في الشجرة فكلم به موسى، وإذا أحدثه كان متكلما به، وأما أن يحدثه في فم أو شجرة أو غيرهما فهو شي ء آخر، لكن الكلام واقع، ألا ترى أن المتكلم منا إنما يستحق هذه الصفة لكونه متكلما لا غير، لا لأنه أحدثه من آلة نطقه، وإن كان لا يكون متكلما حتى يحرك به آلة نطقه.
فإن قلت: أ رأيت لو أن أحدنا عمل له مصوتة وحركها واجتزأ بأصواتها عن أصوات الحروف المتقطعة المسموعة في كلامنا، أكنت تسمية متكلما وتسمى تلك الأصوات كلاما وذلك المصوت به متكلما، وذلك أنه ليس في قوة البشر أن يوردوا الكلام بالآلات التي يصنعوها على سمت الحروب المنطوق بها وصورتها لعجزهم عن ذلك، وإنما يأتون بأصوات فيها الشبه اليسير من حروفها فلا يستحق لذلك أن تكون كلاما، ولا يكون الناطق بها متكلما، كما أن الّذي يصور الحيوان تجسيما وتزويقا لا يقال خالقا للحيوان، وإنما يقال مصورا وحاك ومشبه، وأما القديم سبحانه فإنه قادر على إحداث الكلام على صورته الحقيقية وأصواته الحيوانية في الشجرة والهواء وما شاء. وهذا فرق.
فإن قلت: فقد أحال سيبويه قولنا: اشرب ماء البحر، وهذا منه حظر للمجاز الذي أنت مدع شياعه وانتشاره.
قيل: إنما أحال ذلك على أن المتكلم يريد به الحقيقة، وهذا مستقيم، إذ الإنسان الواحد لا يشرب ماء البحر كله، فأما إن أراد بعضه ثم أطلق اللفظ ولا يريد به جميعه فلا محالة في جوازه، ألا ترى إلى قوله:
نزلوا بالعرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجي ء في أطواد
إنه لم يرد جميعه لأنه قد يمكن أن يكون بعض مائه مختلجا قبل وصوله إلى أرضه بشرب أو سقى زرع ونحوه، فسيبويه إنما وضع اللفظ في هذا الموضع على أصل وضعه في اللغة من العموم، واجتنب المستعمل فيه من الخصوص، مثل توكيده المجاز فيما مضى، قولنا قام زيد قياما وجلس جلوسا، فقد قدمنا