فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 779

ولهذا منع عقلاء الفلاسفة حمل مثل هذا اللفظ على مجازه، وقالوا هذا يأباه التقسيم والترديد والاطراد.

(الخامس) إنه لو صرح بهذا المحذوف المقدر لم يحسن وكان كلاما ركيكا.

فادعاء صديق ما يكون النطق به مشتركا باطل، فإنه لو قال: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ملك ربك أو يأتى أمر ربك أو يأتي بعض آيات ربك كان مستهجنا.

(السادس) إن اطراد نسبة المجي ء والإتيان إليه سبحانه دليل الحقيقة، وقد صرحتم بأن من علامات الحقيقة الاطراد، فكيف كان هذا المطرد مجازا.

(السابع) إنه لو كان المجي ء والإتيان مستحيلا عليه لكان كالأكل الشرب والنوم والغفلة، وهكذا هو عندكم سواء، فمتى عهدتم إطلاق الأكل والشرب، والنوم والغفلة عليه ونسبتها إليه نسبة مجازية، وهى متعلقة بغيره؟ وهل في ذلك شي ء من الكمال البتة؟ فإن قوله: وَجاءَ رَبُّكَ وأتى ويأتي عندكم في الاستحالة، مثل نام وأكل وشرب؛ واللّه سبحانه لا يطلق على نفسه هذه الأفعال ولا رسوله صلى اللّه عليه وسلم لا بقرينة مطلقة فضلا عن تطرد نسبتها إليه، وقد اطرد نسبة المجي ء والإتيان، والنزول (والاستواء) إليه مطلقا من غير قرينة تدل علي أن الذي نسب إليه ذلك غيره من مخلوقاته، فكيف تسوغ دعوى المجاز فيه.

(الثامن) إن المجاز لو كان ثابتا فإنما يصار إليه عند تعذر الحمل على الحقيقة إذ هي الأصل؛ فما الذي أحال حمل ذلك علي حقيقته من عقل أو نقل أو اتفاق من اتفاقهم حجة؟ فأما النقل والاتفاق فهو من جانب الحقيقة بلا ريب، وأما العقل فإنكم تزعمون أنكم أولى به منهم، وهم قد بطلوا جميع عقلياتكم التي لأجلها ادعيتم أن نسبة المجي ء والإتيان والنزول والاستواء إلى اللّه مجاز من أكثر من ثلاثمائة وجه، وقد ذكرناها فيما تقدم فسلم لهم النقل واتفاق السلف، فكيف والعقل الصريح من جانبهم كما تقدم تقريره، فإن من لا يفعل شيئا ولا يتمكن من فعل يقوم به بمنزلة الجماد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت