فهرس الكتاب

الصفحة 475 من 779

وإذا أردت أن تعرف بطلان هذا القول فانظر إلى ما في الوجود من آثار رحمته الخاصة والعامة، فبرحمته أرسل إلينا رسوله صلى اللّه عليه وسلم وأنزل علينا كتابه وعصمنا من الجهالة وهدانا من الضلالة وبصرنا من العمي وأرشدنا من الغي، وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا وبرحمته علمنا ما لم نكن نعلم وأرشدنا لمصالح ديننا ودنيانا، وبرحمته أطلع الشمس والقمر، وجعل الليل والنهار، وبسط الأرض وجعلها مهادا وفراشا وقرارا وكفاتا للأحياء والأموات، وبرحمته أنشأ السحاب وأمطر المطر، اطلع الفواكه والأقوات والمرعى، ومن رحمته سخر لنا الخيل والإبل، والأنعام وذللها منقادة للركوب والحمل والأكل والدر وبرحمته وضع الرحمة بين عباده ليتراحموا بها، وكذلك بين سائر أنواع الحيوان.

فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته، واشتق (لنفسه) منها اسم الرحمن الرحيم. وأوصل إلى خلقه معاني خطابه برحمته، وبصرهم ومكن لهم أسباب مصالحهم برحمته، وأوسع المخلوقات عرشه، وأوسع الصفات رحمته، فاستوى على عرشه الّذي وسع المخلوقات بصفة رحمته التي وسعت كل شي ء، ولما استوى على عرشه بهذا الاسم الذي اشتقه من صفته وتسمى به دون خلقه، كتب بمقتضاه على نفسه يوم استوائه على عرشه حين قضى الخلق كتابا، فهو عنده وضعه على عرشه أن رحمته سبقت غضبه، وكان هذا الكتاب العظيم الشأن كالعهد منه سبحانه للخليقة كلها بالرحمة لهم والعفو عنهم، والمغفرة والتجاوز والستر والإمهال والحلم والأناة، فكان قيام العالم العلوي والسفلي بمضمون هذا الكتاب الذي لولاه لكان للخلق شأن آخر، وكان عن صفة الرحمة الجنة وسكانها وأعمالها، فبرحمته؛ خلقت، وبرحمته عمرت بأهلها، وبرحمته وصلوا إليه، وبرحمته طاب عيشهم فيها، وبرحمته احتجت عن خلقه بالنور ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.

ومن رحمته إنه يعيذ من سخطه برضاه، ومن عقوبته بعفوه، ومن نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت