فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 779

بنفسه، ومن رحمته أن خلق للذكر من الحيوان أنثى من جنسه، وألقى بينهما المحبة والرحمة ليقع بينهما التواصل الذي به داوم التناسل وانتفاع الزوجين، ويمتع كل واحد منهما بصاحبه، ومن رحمته أحوج الخلق بعضهم إلى بعض لتتم مصالحهم، ولو أغنى بعضهم عن بعض لتعطلت مصالحهم وانحل نظامها، وكان من تمام رحمته بهم أن جعل فيهم الغني والفقير، والعزيز والذليل، والعاجز والقادر، والراعي والمرعي، ثم أفقر الجميع إليه، ثم عم الجميع برحمته.

ومن رحمته أن خلق مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فأنزل منها إلى الأرض رحمة واحدة نشرها بين الخليفة ليتراحموا بها، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والطير والوحش والبهائم، وبهذه الرحمة قوام العالم ونظامه.

وتأمل قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ (الرحمن: 1 - 4) كيف جعل الخلق والتعليم ناشئا عن صفة الرحمة متعلقا باسم الرحمن، وجعل معاني السورة مرتبطة بهذا الاسم وختمها بقوله: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (الرحمن: 78) فالاسم الذي تبارك هو الاسم الذي افتتح به السورة، إذ مجي ء البركة كلها منه، وبه وضعت البركة في كل مبارك، فكل ما ذكر عليه بورك فيه وكل ما أخلي منه نزعت منه البركة، فإن كان مذكى وخلى منه اسمه كان ميتة، وإن كان طعاما شارك صاحبه فيه الشيطان، وإن كان مدخلا دخل معه فيه، وإن كان حدثا لم يرفع عند كثير من العلماء، وإن كان صلاة لم تصح عند كثير منهم.

ولما خلق سبحانه الرحم واشتق لها اسما من اسمه، فأراد إنزالها إلى الأرض تعلقت به سبحانه فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: ألا ترضين أن أقطع من قطعك وأصل من وصلك؟ وهي متعلقة بالعرش لها حنحنة كحنحنة المغزل، وكان تعلقها بالعرش رحمة منه بها، وإنزالها إلى الأرض رحمة منه بخلقه، ولما علم سبحانه ما تلقاه من نزولها إلى الأرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت