ومفارقتها لما اشتقت منه رحمها بتعلقها واتصالها بالعرش واتصالها به. وقوله:
«ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك» «1» .
ولذلك كان من وصل رحمه لقربه من الرحمن ورعاية حرمة الرحم قد عمر دنياه واتسعت له معيشته وبورك له في عمره ونسي ء له في أثره، فإن وصل ما بينه وبين الرحمن جل جلاله مع ذلك وما بينه وبين الخلق بالرحمة والإحسان تم له أمر دنياه وأخراه، وإن قطع ما بينه وبين الرحم وما بينه وبين الرحمن أفسد عليه أمر دنياه وآخرته، ومحق بركة رحمته ورزقه وأثره، كما قال صلى اللّه عليه وسلم: «ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له من العقوبة يوم القيامة من البغي وقطيعة الرحم» «2» فالبغي معاملة الخلق بضد الرحمة، وكذلك قطيعة الرحم، وإن القوم ليتواصلون وهم فجرة فتكثر أموالهم ويكثر عددهم.
وإن القوم ليتقاطعون فتقل أموالهم ويقل عددهم وذلك لكثرة نصيب هؤلاء من الرحمة وقلة نصيب هؤلاء منها، وفي الحديث «إن صلة الرحم تزيد في العمر» «3» وإذا أراد اللّه بأهل الأرض خيرا نشر عليهم أثرا من آثار اسمه الرحمن
(1) أخرجه البخارى (5987) ، ومسلم (2554) ، والإمام أحمد (6/ 62) عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: «إن اللّه خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم:
هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أ ما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟! قالت بلى يا رب.
قال: فهو لك، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: فاقرءوا إن شئتم: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ لفظ البخاري.
(2) [صحيح] رواه أبو داود (4902) ، والترمذي (2511) ، وابن ماجه (4211) ، والحاكم (2/ 356) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي ا ه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح ا ه وصححه الألباني. وانظر «الصحيحة» له برقم (918) .
(3) رواه البخارى (5985، 5986) ، ومسلم (2557) ، عن أنس بن مالك وأبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: «من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه» - لفظ البخاري-.
وروى الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن عائشة مرفوعا: «صلة الرحم، وحسن الجوار، وحسن الخلق، يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» أفاده الحافظ في «الفتح»