فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 779

وقال:

قال ابن التين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ، والجمع بينهما من وجهين: أحدهما أن هذه الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة، وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعه في غير ذلك، ومثل هذا ما جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم، فأعطاه اللّه ليلة القدر.

وحاصلة أن صلة الرحم تكون سببا للتوفيق للطاعة، والصيانة عن المعصية فيبقى بعده الذكر الجميل، فكأنه لم يمت، ومن جملة ما يحصل له من التوفيق: العلم الذي ينتفع به من بعده، والصدقة الجارية عليه، والخلف الصالح.

وثانيهما: أن الزيادة على حقيقتها، وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، أما الأول الذي دلت عليه الآية فبالنسبة إلى علم اللّه تعالى، كأن يقال للملك مثلا: أن عمر فلان مائة مثلا إن وصل رحمه، وستون إن قطعها، وقد سبق في علم اللّه أنه يصل أو يقطع، فالذي في علم اللّه لا يتقدم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص وإليه الإشارة بقوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ؛ فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم اللّه تعالى فلا محو فيه البتة ويقال له القضاء المبرم، ويقال للأول القضاء المعلق.

والوجه الأول أليق بلفظ حديث الباب، فإن الأثر ما يتبع الشي ء، فإذا أخر حسن أن يحمل على الذكر الحسن بعد فقد المذكور ا ه.

وقال الطيبي: الوجه الأول أظهر، وإليه يشير كلام صاحب «الفائق» قال: ويجوز أن يكون المعنى: أن اللّه يبقي أثر واصل في الدنيا طويلا فلا يضمحل سريعا كما يضمحل أثر قاطع الرحم، ومن هذه المادة قول الخليل عليه السلام: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ا ه.

وجزم ابن فورك بأن المراد بزيادة العمر نفي الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله، وقال غيره: في أعم من ذلك وفي وجود البركة في رزقه وعلمه ونحو ذلك ا ه (نقلا من «الفتح» بتصرف) (10/ 430) .

وللمزيد راجع «فتح البارى» كتاب «القدر» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت