فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 779

تعدي الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء والخشبة بمعنى ساواها. وهذه معانى الاستواء المعقولة في كلامهم، وليس فيها معنى استولى البتة، ولا نقله أحد من أئمة الذين يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخروا النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية. يوضحه:

الوجه الثاني: إن الذين قالوا ذلك لم يقولوه نقلا، فإنه مجاهرة بالكذب وإنما قالوه استنباطا وحملا منهم للفظة استوى على استولى، واستدلوا بقول الشاعر:

قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق

وهذا البيت ليس من شعر العرب كما سيأتي بيانه.

الوجه الثالث: إن أهل اللغة لما سمعوا ذلك أنكروه غاية الإنكار، ولم يجعلوه من لغة العرب. قال ابن الأعرابي وقد سئل: هل يصح أن يكون استوى بمعنى استولى؟ فقال: لا تعرف العرب ذلك، وهذا هو من أكابر أئمة اللغة.

الوجه الرابع: ما قاله الخطابي في كتابه «شعار الدين» قال: القول في أن اللّه مستو على عرشه، ثم ذكر الأدلة في القرآن ثم قال: فدل ما تلوته من هذه الآي أن اللّه تعالى في السماء مستو على العرش، وقد جرت عادة المسلمين خاصهم وعامهم بأن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم إلى السماء، وذلكم لاستفاضة العلم عندهم بأن المدعو في السماء سبحانه.

إلى أن قال: وزعم بعضهم أن الاستواء هاهنا بمعنى الاستيلاء، ونزع فيه إلى بيت مجهول لم يقله شاعر معروف يصح الاحتجاج بقوله؛ ولو كان الاستواء هاهنا بمعنى الاستيلاء لكان الكلام عديم الفائدة، لأن اللّه تعالى قد أحاط علمه وقدرته بكل شي ء وكل قطر وبقعة من السموات والأرضين وتحت العرش، فما معنى تحصيصه العرش بالذكر، ثم إن الاستيلاء إنما يتحقق معناه عند المنع من الشي ء، فإذا وقع الظفر به قيل استولى عليه، فأي منع كان هناك حتى يوصف بالاستيلاء بعده؟ هذا لفظه وهو من أئمة اللغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت