فهرس الكتاب

الصفحة 535 من 779

أين يلزم من ذلك أن يكون وجه الرب ذو الجلال والإكرام مجازا، وأن لا يكون له وجه حقيقة؟ لو لا التلبيس والترويح بالباطل.

وإن كان الثاني فالأمر ظاهر، وإن كان الثالث فلا تنافي بين الأمرين، فأينما ولي المصلى فهي قبلة اللّه، وهو مستقبل وجه ربه، لأنه واسع، والعبد إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه تعالى، واللّه مقبل على كل مصل إلى جهة من الجهات المأمور بها بوجهه، كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مثل قوله «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقن قبل وجهه، فإن اللّه قبل وجهه» وفي لفظ «فإن ربه بينه وبين القبلة» «1» .

وقد أخبر أنه حيثما توجه العبد فإنه مستقبل وجه اللّه، فإنه قد دل العقل والفطرة وجميع كتب اللّه السماوية على أن اللّه تعالى عال على خلقه فوق جميع المخلوقات، وهو مستو على عرشه، وعرشه فوق السموات كلها، فهو سبحانه محيط بالعالم كله، فأينما ولي العبد فإن اللّه مستقبله، بل هذا شأن مخلوقه المحيط بما دونه، فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط فإنه يستقبل وجه المحيط ويواجهه، والمركز يستقبل وجه المحيط، وإذا كان عالى المخلوقات المحيط يستقبل سافلها المحاط به بوجهه من جميع الجهات والجوانب، فكيف بشأن من هو بشكل شي ء محيط وهو محيط ولا يحاط به، كيف يمتنع أن يستقبل العبد وجهه تعالى حيث كان وأين كان.

وقوله: فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إشارة إلى مكان موجود واللّه تعالى فوق الأمكنة كلها ليس في جوفها، وإن كانت الآية مجملة محتملة لأمرين لم يصح دعوى المجاز فيها ولا في وجه اللّه حيث ورد، فبطلت دعواهم أن وجه اللّه على المجاز لا على الحقيقة. يوضحه:

الوجه الثالث والعشرون: إنه لو أريد بالوجه في الآية الجهة والقبلة لكان وجه الكلام أن يقال (فأينما تولوا فهو وجه اللّه) لأنه إذا كان المراد بالوجه الجهة فهي

(1) رواه البخارى (405، 416، 417) ، مسلم (547) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت