التي تولي نفسها، وإنما يقال ثم كذا إذا كان هناك أمران، كقوله تعالى:
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (الإنسان: 20) فالنعيم والملك ثم لا أنه نفس الظرف لنفسه، فإن الشي ء لا يكون ظرفا لنفسه فتأمله.
ألا ترى إنك إذا أشرت إلى جهة الشرق والغرب لا يصح أن تقول: ثم جهة الشرق وثم جهة الغرب، بل تقول: هذه جهة الشرق وهذه جهة الغرب، ولو قلت: هناك جهة الشرق والغرب لكان ذكر اللفظ لغوا، وذلك لأن ثم إشارة إلى المكان البعيد فلا يشار بها إلى القريب، والجهة والوجهة مما يحاذيك إلى آخرها، فجهة الشرق والغرب وجهة القبلة مما يتصل لك إلى حيث ينتهي، فكيف يقال فيها ثم إشارة إلى البعيد بخلاف الإشارة إلى وجه الرب تبارك وتعالى، فإنه يشار إلى حيث يشار ذاته، لهذا قال غير واحد من السلف: فثم اللّه تحقيقا، لأن المراد وجهه الذي هو من صفات ذاته والإشارة إليه بأنه ثم كالإشارة إليه بأنه فوق سماواته، وعلى العرش وفوق العالم.
الوجه الرابع والعشرون: إن تفسير القرآن بعضه ببعض أولى التفاسير ما وجد إليه السبيل، ولهذا كان يعتمده الصحابة والتابعون والأئمة بعدهم، واللّه تعالى ذكر في القرآن القبلة باسم القبلة والوجهة، وذكر وجهه الكريم باسم الوجه المضاف إليه، فتفسيره في هذه الآية بنظائره هو المتعين.
الوجه الخامس والعشرون: إن الآية لو احتملت كل واحد من الأمرين لكان الأولى بها إرادة وجهه الكريم ذي الجلال والإكرام، لأن المصلي مقصوده التوجه إلى ربه، فكان من المناسب أن يذكر أنه إلى أي الجهات صليت فأنت متوجه إلى ربك، ليس في اختلاف الجهات ما يمنع التوجه إلى ربك. فجاءت الآية وافية بالمقصود فقال وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (البقرة: 115) فأخبر أن الجميع ملكه وقد خلقه؛ وقد علم بالفطرة والشرع أن اللّه تعالى فوق العالم محيط بالمخلوقات عال عليها بكل اعتبار، فمن استقبل وجهة من الشرق إلى الغرب، أو الشمال أو الجنوب أو بين ذلك، فإنه متوجه إلى ربه حقيقة، واللّه تعالى قبل وجهه إلى أي جهة صلى، هو مع ذلك فوق سماواته عال على