فهرس الكتاب

الصفحة 578 من 779

والإتيان والمجي ء من اللّه تعالى نوعان: مطلق ومقيد، فإذا كان يجي ء رحمته أو عذابه كان مقيدا كما في الحديث، حتى جاء اللّه بالرحمة والخير، ومنه قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ (الأعراف: 52) وقوله:

بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ (المؤمنون: 71) وفي الأثر: لا يأتي بالحسنات إلا اللّه.

النوع الثاني: المجي ء والإتيان المطلق كقوله وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ وقوله:

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه، هذا إذا كان مطلقا، فكيف إذا قيد بما يجعله صريحا في مجيئه نفسه كقوله: إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ فعطف مجيئه على مجي ء الملائكة، ثم عطف مجي ء آياته على مجيئه ومن المجي ء المقيد قوله: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ (النحل: 26) فلما قيده بالمفعول وهو البنيان وبالمجرور وهو القواعد دل ذلك على مجي ء ما بيّنه، إذ من المعلوم أن اللّه سبحانه إذا جاء بنفسه لا يجي ء من أساس الحيطان وأسفلها، وهذا يشبه قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا (الحشر: 2) فهذا مجي ء مقيد لقوم مخصوصين قد أوقع بهم بأسه، وعلم السامعون أن جنوده من الملائكة والمسلمين أتوهم، فكان في هذا السياق ما يدل على المراد على أنه لا يمتنع في الآيتين أن يكون الإتيان على حقيقة، ويكون ذلك دنوا ممن يزيد إهلاكهم بغضه وانتقامه كما يدنو عشية عرفة من الحجاج برحمته ومغفرته، ولا يلزم من هذا الدنو والإتيان والملاصقة والمخالطة بل يأتي هؤلاء برحمته وفضله، وهؤلاء بانتقامه وعقوبته، وهو فوق عرشه إذ لا يكون الرب إلا فوق كل شي ء، ففوقيته وعلوه من لوازم ذاته، ولا تناقض بين نزوله ودنوه، وهبوطه ومجيئه، وإتيانه وعلوه، لإحاطته وسعته وعظمته وأن السموات الأرض في قبضته، وأنه مع كونه الظاهر الذي ليس فوقه شي ء، فهو الباطن الذي ليس دونه شي ء، فظهوره بالمعنى الذي فسره به أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت