فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 779

قال: وحكى شيخنا عن طائفة أخرى من أصحابنا أنهم قالوا نثبت نزولا ولا نعقل معناه: هل هو بزوال أو بغير زوال كما جاء الخبر، ومثل هذا ليس بممتنع في صفاته، كما نثبت ذاتا لا تعقل، قال وهذه الطريقة هي المذهب، قد نص عليها أحمد في مواضع، فقال حنبل: قلت لأبي عبد اللّه: ينزل اللّه إلى سماء الدنيا؟ قال نعم. قلت نزوله بعلمه أم ما ذا؟ فقال لي اسكت عن هذا وغضب غضبا شديدا، وقال امض الحديث على ما روي.

قلت: أما قول ابن حامد إنه نزول انتقال فهو موافق لقول من يقول يخلو منه العرش، والذي حمله على هذا إثبات النزول حقيقة وأن حقيقته لا تثبت إلا بالانتقال ورأى أنه ليس في العقل ولا في النقل ما يحيل الانتقال عليه، فإنه كالمجي ء والإتيان والذهاب والهبوط، هذه أنواع الفعل اللازم القائم به. كما أن الخلق والرزق والإماتة والإحياء والقبض والبسط أنواع للفعل المتعدي، وهو سبحانه موصوف بالنوعين وقد يجمعهما كقوله: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ (الأعراف: 54) والانتقال جنس لأنواع المجي ء والإتيان، والنزول والهبوط، الصعود والدنو والتدلي ونحوها، وإثبات النوع مع نفي جنسه جمع بين النقيضين.

قالوا: وليس في القول بلازم النزول والمجي ء والإتيان والاستواء والصعود محذور البتة، ولا يستلزم ذلك نقصا ولا سلب كمال، بل هو الكمال نفسه، وهذه الأفعال كمال ومدح، فهي حق دل عليه النقل، ولازم الحق حق كما أن العقل والنقل قد اتفقا على أنه سبحانه حي متكلم قدير عليم مريد، وما لزم من ذلك تعين القول به، فإنه لازم الحق، وكذلك رؤيته تعالى بالأبصار عيانا في الآخرة هو حق، فلازمه حق كائنا ما كان. والعجب أن هؤلاء يدعون أنهم أرباب المعقولات، وهم يجمعون بين إثبات الشي ء ونفي لازمه، ويصرحون بإثباته، ويثبتون لوازمه باثباته، ويصرحون بنفيه، ولهذا عقلاؤهم لا يسمحون بإثبات شي ء من ذلك، فلا يثبتون للّه نزولا ولا مجيئا، ولا إتيانا ولا دنوا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت