فهرس الكتاب

الصفحة 616 من 779

وخامس أربعة وسادس خمسة، وقال تعالى في المعية الخاصة لموسى وأخيه إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (طه: 46) وقال في العامة فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (الشعراء: 15) فتأمل كيف أفرد ضمير نفسه حيث أفرد موسى وأخاه عن فرعون، وكيف جمع الضمير لما أدخل فرعون معهما في الذكر، فجعل الخاص مع المعية الخاصة والعام مع المعية العامة. وأما قوله تعالى:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق: 16) فهذه الآية لها شأن. وقد اختلف فيها السلف والخلف على قولين، فقالت طائفة: نحن أقرب إليه بالعلم والقدرة والإحاطة وعلى هذا فيكون المراد قربه سبحانه بنفسه، وهو نفوذ بنفسه، وهو نفوذ قدرته ومسيئته فيه وإحاطة علمه به. والقول الثاني: أن المراد قرب ملائكته منه، وأضاف ذلك إلى نفسه بصيغة ضمير الجمع على عادة العظماء في إضافة أفعال عبيدها إليها بأوامرهم ومراسيمهم، فيقول الملك نحن قتلناهم وهزمناهم. قال تعالى:

فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (القيامة: 18) وجبرائيل هو الذي يقرأه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ (الأنفال: 17) فأضاف قتل المشركين يوم بدر إليه، وملائكته هم الذين باشروه، إذ هو بأمره، وهذا القول أصح من الأول لوجوه (أحدها) أنه سبحانه قيد القرب في الآية بالظرف وهو قوله: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ (ق: 17) كالعامل في الظرف ما في قوله:

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من معنى الفعل، ولو كان المراد قربه سبحانه بنفسه لم يتقيد ذلك بوقت تلقي الملكين، ولا كان في ذكر التقييد به فائدة، فإن علمه سبحانه وقدرته ومشيئته عامة التعلق «1» .

(1) وقال في الفوائد عند ذكر هذه الآية: .... ثم أخبر سبحانه عن إحاطة علمه به- يعني بعبده- حتى علم وساوس نفسه، ثم أخبر عن قربه إليه بالعلم والإحاطة، وأن ذلك أدنى إليه من العرق الذي هو داخل بدنه، فهو أقرب إليه بالقدرة عليه، والعلم به من ذلك العرق.

وقال شيخنا- يقصد شيخ الإسلام ابن تيمية-: المراد بقوله: «نحن» أي ملائكتنا، كما قال: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أى إذا قرأه عليك رسولنا جبريل، قال: ويدل عليه قوله: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ فقيد القرب المذكور بتلقي الملكين، ولو كان المراد به قرب الذات لم يتقيد بوقت تلقي الملكين، فلا حجة في الآية لحلولي ولا معطل اه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت