فهرس الكتاب

الصفحة 618 من 779

سور المدينة، وبابه إما من الاستغناء بأحد المذكورين عن الآخر، والدلالة بالمذكور على المحذوف، والأصل إن اللّه قريب من المحسنين، ورحمته قريبة منهم، فيكون قد أخبر عن قرب ذاته وقرب ثوابه من المحسنين واكتفى بالخبر عن أحدهما عن الآخر وقريب منه وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ (التوبة: 34) ومثله على أحد الوجوه إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً الآية (الشعراء: 4) ، أي فذلوا لها خاضعين فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ (الشعراء: 4) لها خاضعة، وإما لأن القريب يراد به شيئان (أحدها) النسب والقربة فهذا يؤنث، تقول: هذه قريبة لي وقرابة.

(والثاني) قرب المكان والمنزلة، وهذا يجرد عن التاء، تقول جلست فلانة قريبا مني هذا في الظرف، ثم أجروا الصفة مجراه للأخوة التي بينهما، حيث لم يرد بكل واحد منهما نسب ولا قرابة، وإنما أريد قرب المكانة والمنزلة، وإما لأن تأنيث الرحمة لما كان غير حقيقي ساغ حذف التاء من صفته وخبره كما ساغ حذفها من الفعل، نحو طلع الشمس، وإما لأن قريبا مصدر لا وصف، كالنقيض والعويل والوجيب، مجرد عن التاء، لأنك إذا أخبرت عن المؤنث بالمصدر لم تلحقه التاء، كما تقول امرأة عدل، وصوم، ونوم.

والذي عندي أن الرحمة لما كانت من صفات اللّه تعالى، وصفاته قائمة بذاته، فإذا كانت قريبة من المحسنين، فهو قريب سبحانه منهم قطعا، وقد بينا أنه سبحانه قريب من أهل الإحسان، ومن أهل سؤاله بإجابته.

ويوضح ذلك أن الإحسان يقتضي قرب العبد من ربه، فيقرب ربه منه إليه بإحسانه تقرب تعالى إليه، فإنه من تقرب منه شبرا يتقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا تقرب منه باعا «1» ، فهو قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا

(1) يشير إلى الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه» من حديث أبي هريرة يرفعه بلفظ: «قال اللّه عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت