فهرس الكتاب

الصفحة 624 من 779

عن رفع بصره إلى السماء مطلقا وإنما نهي عنه في الوقت الذي أمر فيه بالخشوع، لأن خفض البصر من تمام الخشوع، كما قال تعالى: خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ (القمر: 7) .

وأيضا فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء لكون الرب ليس في السماء لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات، ولو كان مقصوده أن ينهي الناس أن يعتقدوا أن اللّه في السماء أن يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو، لبين لهم ذلك بيانا شافيا، ولم يحملهم فيه على أدب من آداب المصلى، وهو إطراقه بين يدي ربه وخشوعه ورمي بصره إلى الأرض كما يفعل بين يدي الملوك، فهذا إنما يدل على نقيض قولهم.

فقد ظهر أنه على كل تقديره لا يجوز التوجه إلى اللّه تعالى إلا من جهة العلو، وإن ذلك لا ينافي إحاطته، وكونه في قبضته، وأنه الباطن الذي ليس دونه شي ء، كما أنه الظاهر الذي ليس فوقه شي ء، وأن أحد الأمرين لا ينفي الآخر، وإن إحاطته بخلقه لا تنفي مباينته لهم ولا علوه على مخلوقاته، بل هو فوق خلقه محيط بهم مباين لهم.

وإنما تنشأ الشبهة الفاسدة عن اعتقادين فاسدين (أحدها) أن يظن أنه إذا كان العرش كريا واللّه فوقه، لزم أن يكون كريا (الاعتقاد الثاني) أنه إذا كان كريا صح التوجه إليه من جميع الجهات. وهذان الاعتقادان خطأ وضلال، فإن اللّه سبحانه مع كونه فوق العرش ومع القول بأن العرش كري. لا يجوز أن يظن به أنه مشابه لها في أقدارها ولا في صفاتها، فقد تبين أنه أعظم وأكبر من كل شي ء. وأن السموات والأرض في يده كخردلة في كف أحدنا. وهذا يزيل كل إشكال. ويبطل كل خيال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت