فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 779

المصنفة من أولها إلى آخرها، قديمها وحديثها، وجدتها مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار في باب الاعتقاد علي وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون عنها، قلوبهم في ذلك على قلب واحد، ونقلهم لا ترى فيه اختلافا ولا تفرقا في شي ء ما، وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟ قال اللّه تعالى: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (النساء: 82) وقال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا (آل عمران: 103) .

وأما إذا نظرت إلى أهل البدع رأيتهم متفرقين مختلفين شيعا وأحزابا، ولا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدع بعضهم بعضا، بل يرتقون إلى التكفير، يكفر الابن أباه، والأخ أخاه، والجار جاره، وتراهم أبدا في تنازع وتباغض واختلاف تنقضي أعمارهم ولم تتفق كلماتهم تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (الحشر: 14) أو ما سمعت بأن المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللون يكفر البغداديون منهم البصريين، والبصريون البغداديين، ويكفر أصحاب أبي علي الجبائي وابنه أبا هاشم وأصحابه، وأصحاب أبي هاشم يكفرون أبا علي وأصحابه، وكذلك سائر رءوسهم وأصحاب المقالات منهم إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين يكفر بعضهم بعضا، وكذلك الخوارج والرافضة فيما بينهم، وسائر المبتدعة كذلك، وهل على الباطل أظهر من هذا؟ قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ ءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ (الأنعام: 159) فبرأ اللّه رسوله من أهل هذا التفرق والاختلاف.

(قال) وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف، وأهل البدع أخذوا الدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت