فهرس الكتاب

الصفحة 759 من 779

من عقولهم فأورثهم التفرق والاختلاف، فإن النقل والرواية من الثقات والمتقنين قلما تختلف، وإن اختلفت في لفظة أو كلمة فذلك الاختلاف لا يضر الدين ولا يقدح فيه. وأما المعقولات والخواطر، والآراء فقلما تتفق، بل عقل كل واحد ورأية وخاطره يري صاحبه غير ما يري الآخر.

قال وبهذا يظهر مفارقة الاختلاف في مسائل الفروع اختلاف العقائد في الأصول، فإنا وجدنا أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ورضي عنهم اختلفوا بعده في أحكام الدين، فلم يتفرقوا ولم يكونوا شيعا، لأنهم لم يفارقوا الدين، ونظروا فيما أذن لهم فاختلفت أقوالهم وآراؤهم في مسائل كثيرة كمسألة الجد والمشركة وذوي الأرحام وأمهات الأولاد وغير ذلك، فصاروا باختلاف في هذه الأشياء محمودين، وكان هذا النوع من الاختلاف رحمة لهذه الأمة حيث أيدهم بالتوفيق واليقين، ثم وسع على العلماء النظر فيما لم يجدوا حكمه ذي التنزيل والسنة، وكانوا مع هذا الاختلاف أهل مودة ونصح، وبقيت بينهم إخوة الإسلام، ولم ينقطع عنهم نظام الألفة، فلما حدثت هذه الأهواء المردية الداعية أصحابها إلى النار وصاروا أحزابا انقطعت الأخوة في الدين وسقطت الألفة، وهذا يدل على أن التنائي والفرقة إنما حدث في المسائل المحدثة التي ابتدعها الشيطان ألقاها على أفواه أوليائه ليختلفوا ويرمي بعضها بعضا بالكفر، فكل مسألة حدثت في الإسلام فخاض فيها الناس واختلفوا، ولم يورث هذا الاختلاف بينهم عداوة ولا نقصا ولا تفرقا، بل بقيت بينهم الألفة والنصيحة والمودة، والرحمة والشفقة، علمنا أن ذلك من مسائل الإسلام يجوز النظر فيها، والآخر يقول من تلك الأقوال ما لا يوجب تبديعا ولا تكفيرا كما ظهر مثل هذا الاختلاف بين الصحابة والتابعين مع بقاء الألفة والمودة، وكل مسألة حدثت فاختلفوا فيها فأورث اختلافهم في ذلك التولي والإعراض والتدابر والتقاطع، وربما ارتقى إلى التكفير، علمت أن ذلك ليس من أمر الدين في شي ء، بل يجب على كل ذي عقل أن يجتنبها ويعرض عن الخوض فيها.

إن للّه تعالى شرطا في تمسكنا بالإسلام أن نصبح في ذلك إخوانا، فقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت