فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 363

و نصيبه، ولو دفن الرجل الصالح في أتون من النار لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه ونصيبه وحظه، فيجعل اللّه النار على هذا بردا وسلاما، والهواء على ذلك نارا أو سموما، فعناصر العالم وموارده منقادة لربها وفاطرها وخالقها، يصرفها كيف يشاء، ولا يستعصي عليه منها شي ء أراده بل هي طوع مشيئته مذللة منقادة لقدرته، ومن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين وكفر به وأنكر ربوبيته.

الأمر العاشر: إن الموت معاد وبعث أول، فإن اللّه سبحانه وتعالى جعل لابن آدم معادين وبعثين يجزي فيهما الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

فالبعث الأول: مفارقة الروح للبدن ومصيرها إلى دار الجزاء الأول.

و البعث الثاني: يوم يرد اللّه الأرواح إلى أجسادها ويبعثها من قبورها إلى الجنة أو النار وهو الحشر الثاني، ولهذا ورد في الحديث الصحيح «و تؤمن بالبعث الآخر» فإن البعث الأول لا ينكره أحد، وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه والنعيم والعذاب، وقد ذكر اللّه سبحانه وتعالى هاتين القيامتين وهما الصغرى والكبرى في سورة المؤمنين، وسورة الواقعة، وسورة القيامة، وسورة المطففين، وسورة الفجر، وغيرها من السور، وقد اقتضى عدله وحكمته أن جعلها داري جزاء المحسن والمسي ء، ولكن توفية الجزاء إنما يكون يوم المعاد الثاني في دار القرار، كما قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ.

و قد اقتضى عدله وأوجبت أسماؤه الحسنى، وكماله المقدس، تنعيم أبدان أوليائه وأرواحهم، وتعذيب أبدان أعدائه وأرواحهم، فلا بد أن يذيق بدن المطيع له وروحه من النعيم واللذة ما يليق به، ويذيق بدن الفاجر العاصي له وروحه من الألم والعقوبة ما يستحقه، وهذا موجب عدله وحكمته وكماله المقدس. ولما كانت هذه الدار دار تكليف وامتحان، لا دار جزاء لم يظهر فيها ذلك، وأما البرزخ فأول دار الجزاء، فظهر فيها من ذلك ما يليق بتلك الدار، وتقتضي الحكمة إظهاره، فإذا كان يوم القيامة الكبرى وفيّ أهل الطاعة وأهل المعصية ما يستحقونه من نعيم الأبدان والأرواح وعذابهما، فعذاب البرزخ ونعيمه أول عذاب الآخرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت