فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 363

كونها جسمانية على ما لا يتناهى فإذا قلت بذلك وافقت الرسل والعقل ودخلت مع زمرة المسلمين وفارقت العصبة المبطلين «1» .

قولكم في الخامس: لو كانت القوة للعاقلة حالة في آلة جسمانية لوجب أن تكون دائمة الإدراك لتلك الآلة أو ممتنعة الإدراك لها. فهو مبني على أصلكم الفاسد أن الإدراك عبارة عن صورة مساوية للمدرك في القوة المدركة. ثم لو سلمنا لكم ذلك الأصل لم يفدكم شيئا فإن حصول تلك الصورة يكون شرطا لحصول الإدراك، فأما أن يقول أو يقال أن الإدراك عين حصول تلك الصورة فهذا لا يقوله عاقل، فلم لا يجوز أن يقال القوة العقلية حالة في جسم مخصوص، ثم إن القوة الناطقة قد تحصل لها حالة إضافية تسعى بالشعور والإدراك فحينئذ تصير القوة العاقلة مدركة لتلك الآلة، وقد لا توجد تلك الحالة الإضافية فتصير غافلة عنها، وإذا كان هذا ممكنا سقطت تلك الشبهة رأسا. ثم نقول أ تدعون أنا إذا عقلنا شيئا فإن الصورة الحاضرة في العقل مساوية لذلك المعقول من جميع الوجوه والاعتبارات أو لا يجب حصول هذه المساواة من جميع الوجوه. فالأول لا يقوله عاقل وهو أظهر من أن يحتج لفساده، وإذا علم أنه لا تجب المساواة من جميع الوجوه لم يلزم من حدوث صورة أخرى في القلب أو الدماغ اجتماع الممثلين.

و أيضا فالقوة العاقلة حالة في جوهر القلب أو الدماغ، والصورة الحادثة حالة في القوة العاقلة، فإحدى الصورتين محل القوة العاقلة، وأيضا فنحن إذا رأينا المسافة الطويلة والبعد الممتد فهل يتوقف هذا الإبصار على ارتسام صورة المرثي في عين الرائي أو لا يتوقف؟ فإن توقف لزم اجتماع المثلين، لأن القوة الباصرة عندكم جسمانية فهي في محل له حجم ومقدار فإذا حصل فيه حجم المرئي ومقداره لزم اجتماع المثلين، وإذا جاز هناك فلم يجوز مثله في مسألتنا؟ وإذا كان إدراك الشي ء لا يتوقف على حصول صورة المرئي في الرائي بطل قولكم أن إدراك القلب والدماغ يتوقف على حصول صورة القلب والدماغ في القوة العاقلة.

و أيضا فقولكم لو كانت القوة العقلية حالة في جسم لوجب أن تكون دائمة

(1) أي أهل الجدل والفلاسفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت