و أنكر جماعة منهم عذاب القبر رأسا مثل ضرار بن عمرو «1» ويحيى بن كامل وهو قول المريبي، فهذه أقوال أهل الخزية والضلالة.
و مما ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق العذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع وأحرق حتى صار رمادا ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى القبور.
(و في صحيح البخاري) عن سمرة بن جندب قال: كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: «من رأى منكم الليلة رؤيا؟» قال: فإن رأى أحد رؤيا قصها، فيقول ما شاء اللّه، فسألنا يوما فقال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» قلنا: لا، قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي وأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب «2» حتى يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، قلت له: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بصخرة أو فهر «3» فيشدخ بها رأسه فإذا ضربة تدهده «4» الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا إلى نقب مثل التنور «5» أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار، فإذا فيه رجال ونساء عراة، فيأتيهم اللهب من تحتهم، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم،
(1) هو ضرار بن عمرو المتكلم أحد شيوخ المعتزلة، وكانت فيه ثلاثة أعاجيب: كان معتزليا كوفيا، وكان عربيا شعوبيا، وزوج ابنته من علج أسلم، وكان يختلف إليه، ومات بالدماميل وله تسعون سنة.
(2) الكلّوب مثل تنوّر، والكلّاب مثل تفّاح، وهي خشبة في رأسها عقافة منها أو من حديد.
(3) الفهر: الحجر- يذكر ويؤنث- وهو حجر ناعم صلب، يسحق به الصيدلي الأدوية، والجمع أفهار وفهور، والفهرة القطعة من الحجر.
(4) أي تدحرج.
(5) التنور: هو الذي يخبز فيه، وافقت فيه لغة العرب لغة الأعاجم. قال أبو حاتم: ليس بعربي صحيح، والجمع تنانير.