فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 363

هذا الحي الناطق المتغذي النامي الحساس المتحرك بالإرادة، وهذه الصفات نوعان، صفات لبدنه وصفات لروح ونفسه الناطقة، فلو كانت الروح جوهرا مجردا لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلة به ولا منفصلة عنه، لكان الإنسان لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلة به ولا منفصلا عنه، أو كان بعضه في العالم وبعضه لا داخل العالم ولا خارجه، وكل عاقل يعلم بالضرورة بطلان ذلك، وأن الإنسان بجملته داخل العالم بدنه وروحه، وهذا في البطلان يضاهي قول من قال إن نفسه قديمة غير مخلوقة، فجعلوا نصف الإنسان مخلوقا ونصفه غير مخلوق.

فإن قيل نحن نسلم أن الإنسان كما ذكرتم إلا أنا نثبت جوهرا مجردا يدبر الإنسان الموصوف بهذه الصفات. قلنا: فذلك الجوهر الذي أثبتموه مغاير للإنسان أو هو حقيقة الإنسان؟ ولا بدّ لكم من أحد الأمرين: فإن قلتم هو غير الإنسان رجع كلامكم إلى أنكم أثبتم للإنسان مدبرا غيره وسميتموه نفسا، وكلامنا الآن إنما هو في حقيقة الإنسان لا في مدبره، فإن مدبر الإنسان وجميع العالم العلوي والسفلي هو اللّه الواحد القهار.

الوجه الخامس عشر بعد المائة: أن كل عاقل إذا قيل له ما الإنسان؟ فإنه يشير إلى هذه البنية وما قام بها لا يخطر بباله أمر مغاير لها مجرد ليس في العالم ولا خارجه والعلم بذلك ضروري لا يقبل شكا ولا تشكيكا.

الوجه السادس عشر بعد المائة: أن عقول العالمين قاضية بأن الخطاب متوجه إلى هذه البنية وما قام بها وساكنها، وكذلك المدح والذم والثواب والعقاب والترغيب والترهيب، ولو أن رجلا قال: المأمور والمنهي والممدوح والمذموم والمخاطب والعاقل جوهر مجرد ليس في العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه لأضحك العقلاء على عقله ولأطبقوا على تكذبه، وكل ما شهدت بداهته العقول وصرائحها ببطلانه كان الاستدلال على ثبوته استدلال على صحة وجود المحال، وباللّه التوفيق.

فإن قيل: قد ذكرتم الأدلة الدالة على جسميتها وتحيزها فما جوابكم من أدلة المنازعين لكم في ذلك؟ فإنهم استدلوا بوجوه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت