و أما استدلالكم بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إذا مات العبد انقطع عمله» فاستدلال ساقط، فإنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقل: انقطع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عمل غيره فهو لعامله، فإن وهبه له فقد وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله، فالمنقطع شي ء والواصل إليه شي ء آخر، وكذلك الحديث الآخر وهو قوله: «إن مما يلحق الميت من حسناته وعمله» فلا ينفي أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته.
و أما قولكم الإهداء حوالة، والحوالة إنما تكون بحق لازم، فهذه حوالة المخلوق على المخلوق.
و أما حوالة المخلوق على الخالق فأمر آخر لا يصح قياسها على حوالة العبيد بعضهم على بعض، وهل هذا إلا من أبطل القياس وأفسده، والذي يبطله إجماع الأمة على انتفاعه بأداء دينه وما عليه من الحقوق، وإبراء المستحق لذمته والصدقة والحج عنه، والنص الذي لا سبيل إلى رده ودفعه، وكذلك الصوم، وهذه الأقيسة الفاسدة لا تعارض نصوص الشرع وقواعده.
و أما قولكم الإيثار بسبب الثواب مكروه وهو مسألة للإيثار بالقرب، فكيف الإيثار بنفس الثواب الذي هو الغاية، فقد أجيب عنه بأجوبة:
أحدها: إن حال الحياة حال لا يوثق فيها بسلامة العاقبة، لجواز أن يرتد الحي، فيكون قد آثر بالقربة غير أهلها، وهذا قد آمن بالموت.
فإن قيل: والمهدى إليه أيضا، قد لا يكون مات على الإسلام باطنا فلا ينتفع بما يهدي إليه، وهذا سؤال في غاية البطلان، فإن الإهداء له من جنس الصلاة عليه، والاستغفار له، والدعاء له، فإن كان أهلا وإلا انتفع به الداعي وحده.
الجواب الثاني: إن الإيثار بالقرب يدل على قلة الرغبة فيها، والتأخر عن فعلها، فلو ساغ الإيثار بها لأفضى إلى التقاعد والتكاسل والتأخر، بخلاف إهداء