قلت: وأين أنت؟ قال: أنا واللّه في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد اللّه المزني «1» فنتلقى أخباركم، قلت: أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات «2» بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح.
شواهد هذه المسألة وأدلتها أكثر من يحصيها إلا اللّه تعالى، والحس والواقع من أعدل الشهود بها، فتلتقي أرواح الأحياء والأموات كما تلتقي أرواح الاحياء، وقد قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ويُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ «3» .
(قال) أبو عبد اللّه بن منده: حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، حدثنا عبد اللّه بن حسين الحراني وحدثنا جدي أحمد بن شعيب حدثنا موسى بن أعين عن مطرف عن جعفر أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية قال: بلغني أن أرواح الاحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم فيمسك اللّه أرواح الموتى ويرسل أرواح الاحياء إلى أجسادها.
و قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا عبد اللّه بن سليمان، حدثنا الحسين، حدثنا عامر، حدثنا اسباط عن السدي وفي قوله تعالى: والَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها قال: يتوفاها في منامها فيلتقي روح الحي وروح الميت فيتذاكران
(1) هو أبو عبد اللّه بكر بن عبد اللّه المزني البصري الفقيه، روى عن المغيرة ابن شعبة وجماعة، توفي سنة ثمان ومائة.
(2) كلمة تبعيد، وهي مبنية على الفتح، وأناس يكسروها على كل حال.
(3) سورة الزمر، الآية 42، ذكر في التسهيل (3/ 196) : هذه الآية للاعتبار، ومعناها أن اللّه يتوفى النفوس على وجهين: أحدهما وفاة كاملة حقيقة وهي الموت، والآخر وفاة النوم لأن النائم كالميت في كونه لا يبصر ولا يسمع، ومنه قوله تعالى: وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وفي الآية عطف، والتقدير: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها.