تبطل هذا القول، وقد شاهد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الأرواح ليلة الإسراء عن يمين آدم وشماله، وأخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجرة الجنة، وأرواح الشهداء في حواصل طير خضر، وأخبر تعالى عن أرواح آل فرعون أنها تعرض على النار غدوا وعشيا.
و لما أورد ذلك على ابن الباقلاني لج في الجواب وقال: يخرج على هذا أحد وجهين:
إما بأن يوضع عرض من الحياة في أول جزء من أجزاء الجسم، وإما أن يخلق لتلك الحياة والنعيم والعذاب جسد آخر.
و هذا قول في غاية الفساد من وجوه كثيرة، وأي قول أفسد من قول من يجعل روح الإنسان عرضا من الأعراض تتبدل كل ساعة ألوفا من المرات، فإذا فارقه هذا العرض لم يكن بعد المفارقة روح تنعم ولا تعذب، ولا تصعد ولا تنزل، ولا تمسك ولا ترسل، فهذا قول مخالف للعقل ونصوص الكتاب والسنّة والفطرة، وهو قول من لم يعرف نفسه، وسيأتي ذكر الوجوه الدالّة على بطلان هذا القول في موضعه من هذا الجواب إن شاء اللّه. وهو قول لم يقل به أحد من سلف الأمة ولا من الصحابة والتابعين ولا أئمة الإسلام.
و أما قول من قال إن مستقرها بعد الموت أبدان أخر غير هذه الأبدان وهذا القول فيه حق وباطل.
فأما الحق: فما أخبر الصادق المصدوق صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الشهداء أنها في حواصل طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش هي كالأوكار للطائر، وقد صرح بذلك في قوله: «جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر» .
و أما قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة» يحتمل أن يكون هذا الطائر مركبا للروح كالبدن لها، ويكون ذلك لبعض المؤمنين والشهداء، ويحتمل أن تكون الروح في صورة طائر، وهذا اختيار أبي محمد بن حزم وأبي عمر بن عبد البر، وقد تقدم كلام أبي عمر والكلام عليه، وأما ابن حزم فإنه قال معنى قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «نسمة المؤمن طائر