فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 363

و أيضا فإنه يقضي إلى اتكال بعض الأحياء على بعض، وهذه مفسدة كبيرة، فإن أرباب الأموال إذا فهموا ذلك واستشعروه استأجروا من يفعل ذلك عنهم، فتصير الطاعات معاوضات، وذلك يفضي إلى إسقاط العبادات والنوافل، ويصير ما يتقربه به إلى اللّه يتقرب به إلى الآدميين، فيخرج عن الإخلاص، فلا يحصل الثواب لواحد منهما.

و نحن نمنع من أخذ الأجرة عن كل قربة، ونحبط بأخذ الأجر عليها كالقضاء، والفتيا، وتعليم العلم، والصلاة، وقراءة القرآن وغيرها، فلا يثبت اللّه عليها إلا المخلص الذي أخلص العمل لوجهه، فإذا فعله للأجرة لم يثب عليه الفاعل ولا المستأجر، فلا يليق بمحاسن الشرع أن تجعل العبادات الخالصة له معاملات يقصد بها المعاوضات والأكساب والدنيوية. وفارق قضاء الديون وضمانها فإنها حقوق الآدميين ينوب بعضهم فيها عن بعض، فلذلك جازت في الحياة وبعد الموت.

و أما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداء نصف الثواب وربعه إلى الميت فالواجب من وجهين:

أحدهما: منع الملازمة فإنكم لم تذكروا عليها دليلا إلا مجرد الدعوى.

الثاني: التزام ذلك والقول به نص عليه للإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال، ووجه هذا أن الثواب ملك له، فله أن يهديه جميعه، وله أن يهدي بعضه. ويوضحه أنه لو أهداه إلى أربعة مثلا يحصل لكل منهم ربعه، فإذا أهدى الربع وأبقى لنفسه الباقي جاز كما لو أهداه إلى غيره.

و أما قولكم لو ساغ ذلك لساغ إهداؤه بعد أن يعمله لنفسه وقد قلتم أنه لا بد أن ينوي حال الفعل إهداؤه إلى الميت وإلا لم يصل.

فالجواب: إن هذه المسألة غير منصوصة عن أحمد ولا هذا الشرط في كلام المتقدمين من أصحابه وإنما ذكره المتأخرون كالقاضي وأتباعه.

قال ابن عقيل: إذا فعل طاعة من صلاة وصيام وقراءة قرآن وأهداها بأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت