فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 363

و نحن إذا سمينا النفس جسما فإنما هو باصطلاحهم وعرف خطابهم، وإلا فليست جسما باعتبار وضع اللغة، ومقصودنا بكونها جسما إثبات الصفات والأفعال والأحكام التي دل عليها الشرع والعقل والحس من الحركة والانتقال والصعود والنزول ومباشرة النعيم والعذاب واللذة والألم، وكونها تحبس وترسل وتقبض وتدخل وتخرج، فلذلك أطلقنا عليها اسم الجسم تحقيقا لهذه المعاني، وإن لم يطلق عليها اسم الجسم فالكلام مع هذه الفرقة المبطنة في المعنى لا في اللفظ، فقول أهل التخاطب والروح والجسم هو بهذا المعنى.

و أما الشبهة الثانية: فهي أقوى شبههم التي بها يصولون، وعليها يعولون، وهي مبنية على أربع مقدمات:

إحداها: أن في الوجود ما لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه.

الثانية: أنه يمكن العلم به.

الثالثة: أن العلم به غير منقسم.

الرابعة: أنه يجب أن يكون محل العلم به كذلك، إذ لو كان جسما لكان منقسما.

و قد نازعهم في ذلك جمهور العقلاء وقالوا: لم تقيموا دليلا على أن في الوجود ما لا يقبل القسمة الحسية ولا الوهمية، وإنما بأيديكم دعاو ولا حقيقة لها، وإنما أثبتموه من واجب الوجود، وهو بناء على أصلكم الباطل عند جميع العقلاء من أهل الملل وغيرهم من إنكار ماهية الرب تعالى وصفاته، وأنه مجرد لا صفة له ولا ماهية، وهذا قول باينتم به العقول، وجميع الكتب المنزلة من السماء، وإجماع الرسل، ونفيتم به علم اللّه وقدرته ومشيئته وسمعه وبصره وعلوه على خلقه، ونفيتم به خلق السموات والأرض في ستة أيام، وسميتموه توحيدا، وهو أصل كل تعطيل.

قالوا: والنقطة التي استدللتم بها هي من أظهر ما يبطل دليلكم، فإنها غير منقسمة وهي حالة في الجسم المنقسم، فقد حل في المنقسم ما ليس بمنقسم.

ثم إن مثبتي الجوهر الفرد وهم جمهور المتكلمين ينازعونكم في هذا الأصل ويقولون: الجوهر حال في الجسم، بل هو مركب منه، فقد حل في المنقسم ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت